7 يوليو، 2025

التنمية المستدامة آفاق واعدة

التنمية المستدامة آفاق واعدة

في التاريخ المعاصر، وتحديدًا في عام 1972، تنبه العالم إلى خطورة استنزاف الموارد، وقام نادي روما بنشر وثيقة “The Limits to Growth” «عوائق النمو»، والذي تم التركيز فيه على وقف استنزاف الموارد أو استهلاكها بشكل رشيد. وعلى إثر ذلك، تم إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، وأُصدر “إعلان استوكهولم” المعني بالبيئة البشرية، وتم اعتماده ويتضمن المبدأ رقم 13: “ضرورة التكامل والتنسيق في التخطيط التنموي لتحقيق حماية البيئة”، ومواجهة زيادة التلوث والحد من انبعاثات الكربون والتلوث الناجم عن الصناعة ومسببات التلوث. ونتجت عن هذه الإفاقة العالمية “اتفاقيات دولية” حول إغمار المحيطات، والتلوث الناجم عن السفن، وتجارة الأصناف المهددة بالانقراض. في عام 1981، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية (WCED)، والتي عُرفت فيما بعد باسم لجنة (Brundtland). وفي عام 1987، قامت اللجنة بنشر (Brundtland Report) تحت عنوان “مستقبلنا المشترك”، وبنت على ما تم إنجازه في مؤتمر ستوكهولم، وقدمت واحدًا من أهم تعريفات التنمية المستدامة: «التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرات الأجيال المستقبلية على تلبية احتياجاتهم». يقول بعض النقاد إن مفهوم التنمية المستدامة الوارد في تقرير لجنة (Brundtland) متفائل إلى حد كبير وغامض. انتقل العالم لاحقًا بشكل أكثر تحديدًا وتجسيدًا للتنمية المستدامة في مؤتمر ريو 1992 في ريو دي جانيرو، بالبرازيل، ما عُرف بقمة ريو للأرض (Rio Earth Summit). وكانت أهم نتائجه أن أصبح مفهوم التنمية المستدامة شأنًا عالميًا، وتمت دعوة كافة الدول إلى إعداد استراتيجيات وطنية للتنمية المستدامة. وتقرر إنشاء لجنة التنمية المستدامة (CSD)، وتنظيم الأنشطة تحت محاور بيئية وتنموية محددة (نوعية الحياة، الاستخدام الفعال للموارد الطبيعية، حماية المشاعات العالمية، إدارة المستوطنات البشرية، النمو الاقتصادي المستدام). كما تم الاتفاق على الممارسات السليمة لتحقيق التنمية المستدامة في كل أنحاء المعمورة. في عام 2015، أبرمت 194 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وثيقة “تحويل عالمنا” لأهداف التنمية المستدامة (SDGs)، والمعروفة أيضًا بالأهداف العالمية، لتكون دعوة للعمل على إنهاء الفقر، وحماية كوكب الأرض، وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030. ما يميز أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر أنها مترابطة ومتكاملة، وأن الإنجاز في جانب يؤثر على الجوانب الأخرى. ولهذا، من متطلبات التنمية “التوازن” بين مجالاتها الرئيسية، التي تتمثل في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. إن التزام الحكومات والشركات، وكذلك منظمات المجتمع المدني، بتسريع وتيرة العمل خاصة في المجتمعات الأكثر تهميشًا والأقل تلمسًا لعوائد التنمية، يبرز أهمية فكرة “التحول” لإحداث فارق شامل في الأداء التنموي ومواجهة التحديات التي تستجلب الكثير من التداعيات على الحاضر وأجيال المستقبل، سواء كانت قضايا الفقر المدقع أو الجوع أو التمييز، وغيرها من أوجه المعاناة التي تجتاح واقعنا. وعلى هذا، يتوجب العمل، والابتكار، والإشعاع المعرفي، وتوظيف التقنية، وتوجيه المخصصات اللازمة لدعم جهود مواءمة أهداف التنمية المستدامة واستثمار فرصتها.

إدارة الأزمات بعيون الاستدامة

إدارة الأزمات بعيون الاستدامة

حين تضرب الأزماتُ المؤسسات، يتجلى جوهر القيادة، ويتمايز منطق الفعل عن ردود الفعل، فلم تعد إدارة الأزمات مجرد أداة إنقاذ وقتي، بل غدت ركيزة من ركائز الحوكمة الرشيدة، خصوصًا في مؤسساتنا المجتمعية ذات الصلة الوثيقة بحياة الناس واحتياجاتهم المتغيرة. في زمن تزداد فيه الهشاشة العالمية، من الجوائح إلى الكوارث الطبيعية إلى الأزمات المالية والسياسية، تظهر الحاجة إلى منهجية مستدامة في التعامل مع الأزمات، لا يكفي أن نتجاوز المحن؛ بل يجب أن نحولها إلى منح، كما يعبر عن ذلك أحد المفكري أي بتحويل الأزمات خيارات وأن نصنع من الانكسارات فرصًا لإعادة البناء بشكل أفضل، وأكثر عدالة، واستدامة. إن الأزمة في حقيقتها اختبار للمرونة المؤسسية حيث تشير تقارير معهد استمرارية الأعمال (BCI) إلى أن أكثر من 70% من المؤسسات باتت تعتمد على أدوات رقمية لإدارة الأزمات، مع تحول كبير نحو الحلول السحابية (SaaS) نظرًا لمرونتها وسرعتها في تفعيل خطط الطوارئ، خصوصًا في بيئات العمل الهجينة أو عن بُعد، خلال جائحة كوفيد-19، المؤسسات التعليمية التي ربطت استجابتها بخطط الاستدامة (مثل توفير حلول رقمية شاملة ومراعاة الفئات الهشة) كانت أكثر قدرة على الاستمرار والتكيف، لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالعنصر البشري لا يزال يمثل نقطة ضعف حرجة، كما أن تحديث البيانات وتكاملها عبر الفرق لا يزال تحديًا قائمًا. من منظور أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، لا تقتصر الأزمة على خطر آني، بل تمثل تحديًا يُعاد فيه النظر في البُنى والهياكل، وتتجدد فيه الأسئلة حول العدالة، والمساواة، والحوكمة، والشراكة، إن إدارة الأزمة الناجحة هي تلك التي تحترم كرامة الإنسان، وتصون الموارد، وتراعي السياق المحلي، وتبني على التعلّم لذلك يزداد يقيني أن التنمية المستدامة عدسة جديدة حيوية لإدارة الأزمات. هنا تبرز أهمية دمج إدارة الأزمات ضمن استراتيجيات التنمية المستدامة للمؤسسات، بحيث تكون كل أزمة فرصة للتقييم وإعادة التوجيه لا مجرد عبء طارئ، وأتساءل مع كثير من الزملاء من خبراء وباحثين هل تمتلك مؤسساتنا خرائط للمخاطر؟ وهل نُفعّل الأدوات الرقمية بالتوازي مع بناء قدرات بشرية مرنة؟ وهل تشتبك قياداتنا العليا مع الأزمات باعتبارها مداخل للإصلاح، لا مجرد تهديدات؟ الأزمات ستبقى، لكن ردود أفعالنا هي ما يحدد المسار. مؤسساتنا مطالبة اليوم لا فقط بردم الفجوات أو سدّ الثغرات، بل ببناء منظومات تتنبأ، وتحتوي، وتعيد البناء بما يتجاوز اللحظة الطارئة. ومن هنا، فإن الاستثمار في التدريب، وبناء القدرات، وتوثيق الدروس المستفادة، وتبني ممارسات الشفافية والمساءلة، كلها ليست ترفًا بل ضمانة لبقاء الدور التنموي حيًا وفاعلًا. إن الطريق من المحنة إلى المنحة ليس سريعًا، لكنه ممكن ولعل أولى خطواته أن ننظر إلى الأزمة لا كقيد، بل كمحرّك للتغيير العميق، وأن نُديرها بعين الاستدامة، لا بعقلية إدارة الخطر فقط!

الإيجابية المستدامة !

الإيجابية المستدامة !

قالت لي سيدة فاضلة أعتز بمكانتها ورقي تعبيرها؛ ” أراك تجيّر الأشياء لتربطها بالاستدامة”، قلت بالفعل لأني أفهم الاستدامة “قناعة وثقافة وممارسة” كما تعلمت ذلك من أساتذتي، إنها نظارتي التي أستكشف الأشياء من منظورها، ولأن هذه النظارة فيها طبقات “Layers” تتمثل في أهدافها وغاياتها ومقاصدها ومؤشراتها كذلك من بين طبقاتها سياقي الحضاري وثقافتي الاجتماعية لذلك أدّعي الوضوح في كثير مما أراه وأتعاطاه. من بين هذه المعاني فكرة “الإيجابية المستدامة” ففي كبد هذا الوجود المتلاطم، حيث تتداعى الأمواج وتتعاظم التحديات، يبرز مفهوم “الإيجابية” ليس كترف فكري أو مجرد شعور عابر، بل كقوة دافعة لإعادة تشكيل الواقع وهندسة المسار للحائرين أفراداً ومنظومات، إنها ليست دعوة إلى إنكار الحقائق أو التغاضي عن العثرات والمخاطر، لكنها إشراقة روح تشربت ألوان العزم والأمل، وتجسّدت فيها مرونة الإنسان وقدرته الفائقة على التكيف والنمو. ولعلنا هنا لا نتحدث عن إيجابية طارئة، أو تلك التي تتبدد مع أول ريح عاتية، بل عن إيجابية “مستدامة”. فكما نسعى جاهدين لتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية لضمان مستقبل مزدهر للأجيال القادمة، كذلك يجب أن تشرب روح الاستدامة في وعينا الجمعي والفردي تجاه “الإيجابية” فهي ليست مجرد ومضة لحظية، إنما نبع يتدفق تفاؤلاً ومرونة يغذيه الوعي والامتنان والتأمل. إن التحكم بقوة الإيجابية يعني أولاً وقبل كل شيء إدراك أن الإيجابية خيار لا قدر، وقرار يقضي بالتركيز على الحلول بدل لانغماس في المشاكل، وهي كذلك بحثٌ عن الفرص الكامنة في كل تحدٍ لا الانزلاق نحو هاوية اليأس، هذا التوجه الذهني يمثل جذور الاستدامة وبذورها الحقيقية، فكل فكرة إيجابية تُغرس في أرض الوعي الخصب تُثمر رُشداً في السلوكيات والعلاقات، وقدرة على الصمود في وجه الأعاصير والتحديات. إن الإيجابية المستدامة تتجسد في قدرتنا على تجديد طاقتنا الروحية والنفسية، فتمامًا كما تستنزف الموارد الطبيعية إذا لم يتم تدبيرها بحكمة، كذلك تستنزف طاقة الإنسان الإيجابية إذا لم يتغذى العقل بالاتزان، والقلب بالرضا والامتنان، والروح بالسلام والاطمئنان.. وكأننا نحدث نظاماً يصنع من بيئتنا الداخلية اتزاناً يُعيد “تدوير” الأفكار السلبية وتحويلها إلى دروس مستفادة، ويزرع بذور الأمل والتفاؤل كي نحصد إنتاجاً وإنجازاً بأقل المنغصات والمكدرات. إن انعكاس الإيجابية المستدامة لا يقتصر على الصعيد الفردي وحسب، بل يمتد ليشمل النسيج المجتمعي بأسره فالمجتمعات التي تُقدّر الإيجابية كمورد لا ينضب، وتُرسخ ثقافة التكامل والتآزر، هي مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر مرونة في التكيف مع المتغيرات، وأكثر إبداعًا في ابتكار الحلول المستدامة عند التحديات، لأنها تمكنت من احتضان الشعور الإيجابي وكذلك الفعل الإيجابي وبذلك تنامت طاقةً وثقةً حين تخلصت من الإفراط في التفكير أو سعت للتنفيس عن الغضب المكتوم أو التأثر بالمحبّطين، وهذا ما جعل أغلب من شارك في استطلاع للرأي نشرته مجلة النشرة النفسية ( ٢٧٥ ألف) شخص نسبوا نجاحهم إلى قوة الإيجابية فيهم. لذا، فليكن سعينا نحو إتقان مهارات” قوة الإيجابية” ليس مجرد مسعى فردي للراحة النفسية، بل مشروعًا وجوديًا ذا أبعاد مستدامة. مشروعًا يُعلِّمنا أن نكون قُوّى تغيير إيجابية، ليس فقط لأنفسنا، بل للمجتمع وللأجيال القادمة. أن نبني حصونًا من الأمل في وجه اليأس، وأن نغرس بذور التفاؤل في كل أرضٍ قاحلة، وأن نحقق بذلك إيجابية لا تنضب، بل تتجدد وتنمو، لتظل شذرات تُضيء دروبنا وتشعل جذوة الأمل لمستقبل أجمل.

Scroll to Top