اسم الكاتب: د. سامي العدواني

خبير وباحث مهتم بصناعة السياسات و مواءمة أهداف التنمية المستدامة (SDGs)

الاستدامة المجتمعية: المفهوم، الركائز، وأفضل الممارسات في العالم العربي

الاستدامة المجتمعية: المفهوم، الركائز، وأفضل الممارسات في العالم العربي

يشهد العالم العربي، بتاريخه العريق وثقافته الغنية، مرحلة تحولات عميقة تتشابك فيها الفرص مع التحديات. ففي خضم السعي نحو التنمية والازدهار، تبرز تحديات هيكلية مثل التغيرات المناخية، وندرة الموارد، والتحولات الديموغرافية، والضغوط الاقتصادية. هذه التحديات لا تهدد فقط استقرار المكتسبات الحالية، بل تلقي بظلالها على مستقبل الأجيال القادم.  من هنا، لم يعد الحديث عن التنمية بمعزل عن الاستدامة ممكنًا. وتأتي الاستدامة المجتمعية لتشكل حجر الزاوية في هذا النموذج التنموي الجديد، فهي رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء مجتمعات قادرة على الصمود والنمو. إن دمج هذا المفهوم في صلب السياسات والممارسات اليومية، سواء على مستوى الحكومات أو القطاع الخاص أو المجتمع المدني، هو السبيل لضمان استقرار اجتماعي واقتصادي حقيقي، حيث يصبح الإنسان هو محور التنمية وغايتها.  ما هي الاستدامة المجتمعية؟ تعريف وأبعاد تُعرّف الاستدامة المجتمعية بأنها مجموعة الجهود والعمليات التي تدعم قدرة الأجيال الحالية والمستقبلية على بناء مجتمعات صحية وعادلة ومتماسكة. إنها تركز على “الناس” وكيفية تفاعلهم مع بعضهم البعض ومع بيئتهم، لضمان جودة حياة كريمة للجميع. الفرق بين الاستدامة المجتمعية والتنمية المستدامة: كثيرًا ما يتم الخلط بين المفهومين، ولكن يمكن تمييزهما كالتالي: أبعاد الاستدامة وربطها بالمجتمع: الركائز الأساسية للاستدامة المجتمعية: تقوم الاستدامة المجتمعية على أسس متينة تضمن تماسك المجتمع وقدرته على التطور:  أهمية الاستدامة المجتمعية في العالم العربي: تكتسب الاستدامة المجتمعية أهمية خاصة في المنطقة العربية نظرًا للتحديات الفريدة التي تواجهها: أمثلة لأفضل الممارسات في العالم العربي: بدأت العديد من الدول العربية في تبني ممارسات الاستدامة المجتمعية، وهناك أمثلة ملهمة على ذلك: التحديات التي تواجه الاستدامة المجتمعية في المنطقة: على الرغم من التقدم المُحرز، لا تزال هناك تحديات كبيرة تعترض طريق تحقيق الاستدامة المجتمعية في العالم العربي: استراتيجيات تعزيز الاستدامة المجتمعية: للتغلب على هذه التحديات، يمكن تبني مجموعة من الاستراتيجيات المتكاملة: دور المؤسسات البحثية: في مشهد تعزيز الاستدامة المجتمعية، تبرز المؤسسات البحثية كجسور حيّة بين النظرية والتطبيق، تجمع بين التحليل العلمي والفهم الميداني لتوجيه السياسات، وتحفيز الابتكار، وتعزيز الشراكات التي تصنع أثرًا مستدامًا.هنا يأتي دور DAL، كبيت خبرة معرفي متخصص في الاستدامة المجتمعية، يوظّف الدراسات الدقيقة، وحلول البيانات، وبرامج التدريب المتقدمة لتصميم استراتيجيات محلية ملائمة، وإطلاق مبادرات قادرة على مواجهة التحديات الفعلية للمجتمعات العربية.من خلال خبراتها، تمكّن DAL الجهات غير الربحية، والقطاع الخاص، وصنّاع القرار من الانتقال من الأفكار إلى الممارسات، ومن المبادرات المحدودة إلى النظم المستدامة، مستلهمة نماذج إقليمية وعالمية، ومكيّفة إياها مع الخصوصية المحلية. خاتمة ملهمة: مسؤوليتنا المشتركة لمستقبل واعد إن الاستدامة المجتمعية ليست ترفًا فكريًا أو خيارًا مؤجلاً، بل هي ضرورة حتمية لمستقبل العالم العربي. إنها دعوة مفتوحة للجميع، حكومات وشركات وأفراد، للعمل معًا بروح من المسؤولية المشتركة. فمن خلال الاستثمار في الإنسان، وحماية كوكبنا، وبناء مجتمعات عادلة وشاملة، يمكننا أن نضمن لأجيالنا القادمة إرثًا من الأمل والازدهار، ومستقبلًا يليق بتاريخنا وطموحاتنا.

الاستدامة والقوة الناعمة ! 

الاستدامة والقوة الناعمة ! 

في رحاب عالمنا المعاصر، تتسابق الدول على صفقات التسلح حتى بلغت ميزانيات الدفاع في العام المنصرم ٩٠٠ مليار دولار، لو جرى دفع ربع هذا الرقم لتلاشت أغلب أزمات العالم البالغ عددها ٥٦ أزمة تعصف بالكوكب. درجة الحيرة التي بلغها العالم نتيجة هذه التحديات الكبرى أدت لإضعاف منظوماته التي تحفظ السلم والأمن الدوليين وقد بات البحث عن خيارات بديلة هاجس الكثير من الدول والأقاليم بعد أن وصلنا إلى خيارات مسدودة وهو ما عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة في قمة المستقبل حين وجّه الدعوة لقادة العالم في سبتمبر ٢٠٢٤ وقال لهم بصوت واضح “لسنا على الطريق القويم، ولن نبلغ أهداف التنمية المستدامة في موعدها” !. من بين الآفاق التي تعيد البوصلة إلى المسار “القويم” فكرة “القوة الناعمة” التي تتجاوز مفردات القوة التقليدية وتداعيات التوحش الرأسمالي، لتبلغ الأعماق في النفوس وكذلك العقول، تلك الطاقة الخفية التي تنبع من قلب العطاء وتنبض بالحكمة، والتي تجعل من الأوطان منارات جاذبة تتكامل مكوناتها دون أن تتآكل وتستثمر في مواردها دون أن تنهك حاضرها أو تهدر رصيدها. في تقرير مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2025 الذي صدر مؤخراً يؤكد ما نعرفه بالفطرة أن الدول التي تمتلك أرصدة من القوة الناعمة هي الأقدر على صياغة مستقبلها ومستقبل العالم .. إنها الدول التي تستثمر في الإنسان، وتؤمن بأن أهداف التنمية المستدامة ليست مجرد أرقام، بل هي قناعة وثقافة وممارسة، وهذا ما يفتح مسارات جديدة، لتحوّل إرثها الإنساني والعمراني إلى أسوار من الحماية الناعمة التي لا تكسر ولا تُقهر. يُلخص تقرير مؤشر القوة الناعمة العالمي 2025 في منهجيته كيف تُقاس قدرة الدولة على التأثير في الآخرين من خلال الجاذبية والإقناع، ويعتمد على مسح عالمي لآراء أكثر من 170 ألف مشارك من 100 سوق حول العالم يقيس ثلاثة مؤشرات أداء رئيسية (KPIs) وثمانية ركائز أساسية، أما المؤشرات فهي الشهرة (Familiarity)   يتناول مدى معرفة الجمهور بالدولة، والمؤشر الثاني يتمثل في السمعة (Reputation) الذي يتطرق إلى الانطباع العام الإيجابي أو السلبي عن الدولة، أما الثالث فهو التأثير (Influence) حيث يقيس مدى نفوذ الدولة في الشؤون العالمية. ويُقيّم أداء الدولة في الركائز الثماني، التي تشمل الأعمال والتجارة (Business & Trade) حيث قوة الاقتصاد والمنتجات والعلامات التجارية، ثم الحوكمة (Governance) عن مدى استقرار الحكومة، والالتزام بالقانون، والنزاهة، بالإضافة إلى العلاقات الدولية (International Relations) ومدى فعالية الدبلوماسية، والعلاقات مع الدول الأخرى، والمساهمة في السلام.  وعلى وقع عاصمة الثقافة والإعلام التي نعيشها هذا العام هناك ركيزة رابعة تتعلق بالثقافة والتراث  (Culture & Heritage)  من حيث جاذبية الثقافة، والتراث التاريخي، والمطبخ، والفنون، وكذلك ركيزة الإعلام والاتصال (Media & Communication) التي تتمثل في جودة الإعلام، والتغطية الإخبارية، ووجود القنوات الإعلامية الدولية، بالإضافة لركائز أخرى كالتعليم والعلوم (Education & Science)يقاس فيها مستوى التعليم العالي، وجودة الأبحاث العلمية، وسابع الركائز الناس والقيم (People & Values)  الذي يتناول فيه مدى ترحيب الشعب، وقيمه الأخلاقية، ومستوى المعيشة، وأخيراً المستقبل المستدام (Sustainable Future) عبر الاهتمام بالبيئة والخضرنة، والتطور التكنولوجي، والطاقة المتجددة. لقد كان من أبرز النتائج العالمية لعام 2025 احتفاظ الولايات المتحدة الأمريكية بصدارة المركز الأول في المؤشر، على الرغم من تراجعها في بعض الركائز مثل الحوكمة والناس والقيم، وحققت الصين صعوداً وتقدماً ملحوظاً في ست من أصل ثماني ركائز، مما يعكس نجاح جهودها في تحسين صورتها الدولية، وتصدرت كوريا الجنوبية الدول الأسرع تقدماً وتحسناً في الأداء، تلتها السلفادور، لقد أكد التقرير الذي يجري تنشره سنوياً من وكالة Brand Finance دور القوة الناعمة في الأزمات أظهر التقرير أن الدول التي تتمتع بقوة ناعمة قوية تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات العالمية بفعالية. يمكن للدولة أن تستثمر إرثها وسماتها في صياغة استراتيجية متكاملة لتعزيز قوتها الناعمة ومن خلال تفعيل الدبلوماسية الإنسانية عبر التوثيق المنهجي وإنشاء منصات  رقمية موحدة لتوثيق المشاريع الخيرية والإنسانية تعرض تأثيرها الإيجابي على حياة المستفيدين، أو الترويج الدولي من خلال إعداد حملات إعلامية احترافية باللغات الأجنبية للتعريف بالدور الإيجابي أو الحضاري والإنساني، بالتعاون مع وسائل الإعلام العالمية، وكذلك الشراكات الاستراتيجية عبر ابتكارات لافتة مثل “منحة التصوير” التي بادر إليها صديقنا المبدع سامي الرميان أو بناء شراكات نوعية مع المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة واليونيسف وغيرها، لضمان الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة، وتعزيز مكانة الدولة كشريك موثوق به في العمل الدولي. إن تعزيز الدبلوماسية الثقافية من خلال إطلاق برامج لتبادل الشباب والمهنيين بين الدول يزيد من رسوخ التفاهم الثقافي وتعريف العالم بالقيم السائدة، وكذلك المشاركة في المحافل الدولية مثل المعارض الفاعلة والمؤتمرات الثقافية الدولية، وعرض الفن الممزوج أصالة ومعاصرة، مما يساهم في إثراء الحوار الثقافي العالمي، وهذا يتزامن مع الاستثمار في الإعلام والاتصال باستراتيجية رقمية تضع خطة إعلامية رقمية تستهدف الجمهور العالمي، توظف وسائل التواصل الاجتماعي لنشر قصص النجاح وتستعين بالمؤثرين أو تتعاون مع الشخصيات العامة العالمية لزيارة الدولة وتغطي أنشطتها وحياتها الاجتماعية والثقافية وجهودها الإنسانية، مما يضمن وصول الرسالة إلى جماهير جديدة. لو أردنا استخلاص فكرة أساسية مفادها أن تعزيز القوة الناعمة يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين إرثنا الغني، واستثمارنا الذكي في الشباب وتفعيل دبلوماسيتنا الإنسانية والثقافية، يمكن أن تتحوّل جاذبية الدولة المحلية والإقليمية إلى قوة تأثير عالمية، وأن تساهم بفاعلية في بناء عالم أكثر سلاماً وتضامناً، تتجلى فيها الحكمة ومدّ جسور الود، لا على أساس المصالح الضيقة، بل على قيم الأخوة الإنسانية وفي هذا تكمن معاني الاستدامة، علينا أن نكون سفراء لأوطاننا وأخص بالدعوة شبابنا الواعد عليهم أن يحملوا هذه الراية ويسهموا في صياغة مقدرات المستقبل، وأن يكونوا مصدر فخر لأوطانهم في كل محفل، لنجعل من كل عمل وإنتاج، وكل مبادرة ومشروع، وكل كلمة طيبة، حلقة في استدامة القوة الناعمة.

عمّق الله أثركم

عمّق الله أثركم

في ظل التطلعات التنموية للدولة، ورؤيتها لمستقبل مزدهر ومستدام، يبرز دور مؤسسات المجتمع المدني، كركيزة أساسية وشريك، لا غنى عنه في تحقيق هذه الأهداف. فكما نصت الخطة الإنمائية، فإن بناء “جهاز مؤسسي داعم؛ يرسخ القيم، ويحافظ على الهوية الاجتماعية، ويحقق التنمية البشرية والتنمية المتوازنة”، هو جوهر مسيرتنا التنموية، ومع دخول الخطة الإنمائية الرابعة (2025-2030) حيز التنفيذ، يزداد زخم الحاجة إلى تفعيل هذه المؤسسات بشكل أعمق وأشمل. إن ما نتمتع به من بيئة خصبة لنمو العمل التطوعي والمجتمعي، تغذيها تلك الروح الإنسانية المتجذرة والتعايش المجتمعي بين مختلف الأطياف، هي عوامل فاعلة في إدماج الأفراد والجمعيات في الجهود الإنمائية. هذا التوجه يتناغم تماماً مع شعار الأمم المتحدة في خطة التنمية المستدامة 2030 “لن نترك خلف الركب أحد”، والذي يؤكد ضرورة جعل الناس أنفسهم عنصراً فاعلاً في تنفيذ الخطط، فالمجتمع المدني، بجذوره الممتدة اجتماعيا، يمكن أن يكون جسراً حقيقياً بين القطاع العام والخاص. واقع المجتمع المدني في الكويت اليوم مبشر، فالبلاد تضم أكثر من 300 واجهة، تمثل مؤسسات مسجلة تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى أكثر من 700 فريق ومبادرة تطوعية مسجلة رسمياً، ولا ننسى المئات من النماذج المجتمعية “غير المهيكلة” كالصناديق العائلية، والأوقاف الذرية، هذه الأرقام تعكس حيوية هذا القطاع وإسهاماته المتعددة، والتي تتراوح تقديراتها المالية لإنفاق الجهات الخيرية سنوياً بنحو 200 مليون دينار كويتي، الأهم من ذلك، أن هذا القطاع يستحوذ على نسبة جيدة من الكوادر الوطنية، من حديثي التخرج والعاملين في القطاعين، العام والخاص، وصولاً إلى شريحة المتقاعدين الذين يجدون فيه فرصة للإنجاز والعطاء. لقد أثبتت مؤسسات المجتمع المدني الكويتي مراراً وتكراراً قدرتها على العطاء والمساندة في أصعب الظروف، فمنذ عقود، كانت هذه المؤسسات سباقة في الاستجابة للأزمات، وليس آخيراً مساهماتها الفاعلة في مواجهة تداعيات السيول والأمطار في عام 2019، وما تلاها خلال جائحة “كورونا”، ودعمها المتواصل للدور الإنساني في أزمات المنطقة كبرى، مثل سورية، والعراق واليمن، وعلى رأس هذه الجهود في القدس وفلسطين حيث ساعدت في تأكيد ريادة الكويت، وبلوغ مكانة متميزة على الصعيد العالمي، توجت بإطلاق لقب “المركز الإنساني”. لتعزيز هذا الدور الحيوي، وضمان إسهام أكبر لمؤسسات المجتمع المدني في الخطة الإنمائية للدولة، آمل تبني عدد من النصائح التي أضعها بين يدي المعنيين: أولها، بناء القدرات: يحتاج المجتمع المدني إلى جرعات مكثفة من الوعي التنموي بالخطة الإنمائية، ومؤشراتها، بما يضمن تناغم أدائه مع الأهداف الوطنية، إن الاستثمار في تدريب الكوادر وتطوير مهاراتهم، الإدارية والفنية، سيعود بالنفع على الجميع. ثانيها، دعم المبادرات: إن توجيه حصة معقولة من الموارد للمجتمع المدني، وتعزيز بيئة التمكين، وتبني المبادرات النوعية التي تدعم الخطة الإنمائية، إذا ما تواكب مع معايير حوكمة رشيدة ، يمكن إسناد عدد من مشروعات الخطة الإنمائية له، من خلال تحالفات تنموية قطاعية، وتوسيع إطار الشراكة مع برامج المسؤولية المجتمعية للشركات، وحتى تخصيص حصة من عوائد الزكاة. ثالثها، تمثيل متوازن: لا يمكن للمجتمع المدني أن يؤدي دوره كاملاً دون إشراكه في لجان التوجيه، وصناعة القرار الإنمائي، فالاستماع إلى أفكارهم وطروحاتهم الجادة سيعزز مفاهيم وآليات الحكم الرشيد. رابعها، بيئة تشريعية وحوكمية داعمة: يتطلب الأمر إصدار قانون عصري تشاركي يتلاءم مع الدور المأمول للمجتمع المدني، كما يجب رفع نسبة مؤسساته التي تلتزم بالحوكمة، وتوفير الحوافز اللازمة، وإزالة القيود والعوائق التي تواجهها. آخرها: إطلاق المرصد الوطني للمجتمع المدني:فهذا لا يوجد حالياً، لحصر دقيق للعاملين في المجتمع المدني، ولا مؤشرات واضحة لحجم إسهامه في الناتج المحلي لذا، فإن إطلاق مرصد وطني يتولى إصدار بيانات إحصائية، وتقارير دورية عن فاعلية هذا القطاع، سيساهم في تسليط الضوء على دوره الحيوي ويسهل عملية التخطيط والتنسيق. إن “رؤية كويت 2035″ التي تؤكد تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار يقــوم فيــه القطــاع الخــاص بقيــادة النشــاط الاقتصــادي… وترســخ فيــه القيــم وتحافــظ على الهوية الاجتماعية، وتحقق التنمية البشرية والتنمية المتوازنة”. لا تزال خريطة طريق لمستقبلنا… ومؤسسات المجتمع المدني جزءاً لا يتجزأ من تحقيق هذه الرؤية الطموحة. فبتعزيز الشراكة الحقيقية، وتمكين هذا القطاع، نضمن أن “لن نترك خلف الركب أحد”، وأن مسيرة التنمية المستدامة في الكويت ستمضي بخطى ثابتة نحو تعميق الأثر.

التنمية المستدامة آفاق واعدة

التنمية المستدامة آفاق واعدة

في التاريخ المعاصر، وتحديدًا في عام 1972، تنبه العالم إلى خطورة استنزاف الموارد، وقام نادي روما بنشر وثيقة “The Limits to Growth” «عوائق النمو»، والذي تم التركيز فيه على وقف استنزاف الموارد أو استهلاكها بشكل رشيد. وعلى إثر ذلك، تم إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، وأُصدر “إعلان استوكهولم” المعني بالبيئة البشرية، وتم اعتماده ويتضمن المبدأ رقم 13: “ضرورة التكامل والتنسيق في التخطيط التنموي لتحقيق حماية البيئة”، ومواجهة زيادة التلوث والحد من انبعاثات الكربون والتلوث الناجم عن الصناعة ومسببات التلوث. ونتجت عن هذه الإفاقة العالمية “اتفاقيات دولية” حول إغمار المحيطات، والتلوث الناجم عن السفن، وتجارة الأصناف المهددة بالانقراض. في عام 1981، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية (WCED)، والتي عُرفت فيما بعد باسم لجنة (Brundtland). وفي عام 1987، قامت اللجنة بنشر (Brundtland Report) تحت عنوان “مستقبلنا المشترك”، وبنت على ما تم إنجازه في مؤتمر ستوكهولم، وقدمت واحدًا من أهم تعريفات التنمية المستدامة: «التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرات الأجيال المستقبلية على تلبية احتياجاتهم». يقول بعض النقاد إن مفهوم التنمية المستدامة الوارد في تقرير لجنة (Brundtland) متفائل إلى حد كبير وغامض. انتقل العالم لاحقًا بشكل أكثر تحديدًا وتجسيدًا للتنمية المستدامة في مؤتمر ريو 1992 في ريو دي جانيرو، بالبرازيل، ما عُرف بقمة ريو للأرض (Rio Earth Summit). وكانت أهم نتائجه أن أصبح مفهوم التنمية المستدامة شأنًا عالميًا، وتمت دعوة كافة الدول إلى إعداد استراتيجيات وطنية للتنمية المستدامة. وتقرر إنشاء لجنة التنمية المستدامة (CSD)، وتنظيم الأنشطة تحت محاور بيئية وتنموية محددة (نوعية الحياة، الاستخدام الفعال للموارد الطبيعية، حماية المشاعات العالمية، إدارة المستوطنات البشرية، النمو الاقتصادي المستدام). كما تم الاتفاق على الممارسات السليمة لتحقيق التنمية المستدامة في كل أنحاء المعمورة. في عام 2015، أبرمت 194 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وثيقة “تحويل عالمنا” لأهداف التنمية المستدامة (SDGs)، والمعروفة أيضًا بالأهداف العالمية، لتكون دعوة للعمل على إنهاء الفقر، وحماية كوكب الأرض، وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030. ما يميز أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر أنها مترابطة ومتكاملة، وأن الإنجاز في جانب يؤثر على الجوانب الأخرى. ولهذا، من متطلبات التنمية “التوازن” بين مجالاتها الرئيسية، التي تتمثل في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. إن التزام الحكومات والشركات، وكذلك منظمات المجتمع المدني، بتسريع وتيرة العمل خاصة في المجتمعات الأكثر تهميشًا والأقل تلمسًا لعوائد التنمية، يبرز أهمية فكرة “التحول” لإحداث فارق شامل في الأداء التنموي ومواجهة التحديات التي تستجلب الكثير من التداعيات على الحاضر وأجيال المستقبل، سواء كانت قضايا الفقر المدقع أو الجوع أو التمييز، وغيرها من أوجه المعاناة التي تجتاح واقعنا. وعلى هذا، يتوجب العمل، والابتكار، والإشعاع المعرفي، وتوظيف التقنية، وتوجيه المخصصات اللازمة لدعم جهود مواءمة أهداف التنمية المستدامة واستثمار فرصتها.

إدارة الأزمات بعيون الاستدامة

إدارة الأزمات بعيون الاستدامة

حين تضرب الأزماتُ المؤسسات، يتجلى جوهر القيادة، ويتمايز منطق الفعل عن ردود الفعل، فلم تعد إدارة الأزمات مجرد أداة إنقاذ وقتي، بل غدت ركيزة من ركائز الحوكمة الرشيدة، خصوصًا في مؤسساتنا المجتمعية ذات الصلة الوثيقة بحياة الناس واحتياجاتهم المتغيرة. في زمن تزداد فيه الهشاشة العالمية، من الجوائح إلى الكوارث الطبيعية إلى الأزمات المالية والسياسية، تظهر الحاجة إلى منهجية مستدامة في التعامل مع الأزمات، لا يكفي أن نتجاوز المحن؛ بل يجب أن نحولها إلى منح، كما يعبر عن ذلك أحد المفكري أي بتحويل الأزمات خيارات وأن نصنع من الانكسارات فرصًا لإعادة البناء بشكل أفضل، وأكثر عدالة، واستدامة. إن الأزمة في حقيقتها اختبار للمرونة المؤسسية حيث تشير تقارير معهد استمرارية الأعمال (BCI) إلى أن أكثر من 70% من المؤسسات باتت تعتمد على أدوات رقمية لإدارة الأزمات، مع تحول كبير نحو الحلول السحابية (SaaS) نظرًا لمرونتها وسرعتها في تفعيل خطط الطوارئ، خصوصًا في بيئات العمل الهجينة أو عن بُعد، خلال جائحة كوفيد-19، المؤسسات التعليمية التي ربطت استجابتها بخطط الاستدامة (مثل توفير حلول رقمية شاملة ومراعاة الفئات الهشة) كانت أكثر قدرة على الاستمرار والتكيف، لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالعنصر البشري لا يزال يمثل نقطة ضعف حرجة، كما أن تحديث البيانات وتكاملها عبر الفرق لا يزال تحديًا قائمًا. من منظور أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، لا تقتصر الأزمة على خطر آني، بل تمثل تحديًا يُعاد فيه النظر في البُنى والهياكل، وتتجدد فيه الأسئلة حول العدالة، والمساواة، والحوكمة، والشراكة، إن إدارة الأزمة الناجحة هي تلك التي تحترم كرامة الإنسان، وتصون الموارد، وتراعي السياق المحلي، وتبني على التعلّم لذلك يزداد يقيني أن التنمية المستدامة عدسة جديدة حيوية لإدارة الأزمات. هنا تبرز أهمية دمج إدارة الأزمات ضمن استراتيجيات التنمية المستدامة للمؤسسات، بحيث تكون كل أزمة فرصة للتقييم وإعادة التوجيه لا مجرد عبء طارئ، وأتساءل مع كثير من الزملاء من خبراء وباحثين هل تمتلك مؤسساتنا خرائط للمخاطر؟ وهل نُفعّل الأدوات الرقمية بالتوازي مع بناء قدرات بشرية مرنة؟ وهل تشتبك قياداتنا العليا مع الأزمات باعتبارها مداخل للإصلاح، لا مجرد تهديدات؟ الأزمات ستبقى، لكن ردود أفعالنا هي ما يحدد المسار. مؤسساتنا مطالبة اليوم لا فقط بردم الفجوات أو سدّ الثغرات، بل ببناء منظومات تتنبأ، وتحتوي، وتعيد البناء بما يتجاوز اللحظة الطارئة. ومن هنا، فإن الاستثمار في التدريب، وبناء القدرات، وتوثيق الدروس المستفادة، وتبني ممارسات الشفافية والمساءلة، كلها ليست ترفًا بل ضمانة لبقاء الدور التنموي حيًا وفاعلًا. إن الطريق من المحنة إلى المنحة ليس سريعًا، لكنه ممكن ولعل أولى خطواته أن ننظر إلى الأزمة لا كقيد، بل كمحرّك للتغيير العميق، وأن نُديرها بعين الاستدامة، لا بعقلية إدارة الخطر فقط!

الإيجابية المستدامة !

الإيجابية المستدامة !

قالت لي سيدة فاضلة أعتز بمكانتها ورقي تعبيرها؛ ” أراك تجيّر الأشياء لتربطها بالاستدامة”، قلت بالفعل لأني أفهم الاستدامة “قناعة وثقافة وممارسة” كما تعلمت ذلك من أساتذتي، إنها نظارتي التي أستكشف الأشياء من منظورها، ولأن هذه النظارة فيها طبقات “Layers” تتمثل في أهدافها وغاياتها ومقاصدها ومؤشراتها كذلك من بين طبقاتها سياقي الحضاري وثقافتي الاجتماعية لذلك أدّعي الوضوح في كثير مما أراه وأتعاطاه. من بين هذه المعاني فكرة “الإيجابية المستدامة” ففي كبد هذا الوجود المتلاطم، حيث تتداعى الأمواج وتتعاظم التحديات، يبرز مفهوم “الإيجابية” ليس كترف فكري أو مجرد شعور عابر، بل كقوة دافعة لإعادة تشكيل الواقع وهندسة المسار للحائرين أفراداً ومنظومات، إنها ليست دعوة إلى إنكار الحقائق أو التغاضي عن العثرات والمخاطر، لكنها إشراقة روح تشربت ألوان العزم والأمل، وتجسّدت فيها مرونة الإنسان وقدرته الفائقة على التكيف والنمو. ولعلنا هنا لا نتحدث عن إيجابية طارئة، أو تلك التي تتبدد مع أول ريح عاتية، بل عن إيجابية “مستدامة”. فكما نسعى جاهدين لتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية لضمان مستقبل مزدهر للأجيال القادمة، كذلك يجب أن تشرب روح الاستدامة في وعينا الجمعي والفردي تجاه “الإيجابية” فهي ليست مجرد ومضة لحظية، إنما نبع يتدفق تفاؤلاً ومرونة يغذيه الوعي والامتنان والتأمل. إن التحكم بقوة الإيجابية يعني أولاً وقبل كل شيء إدراك أن الإيجابية خيار لا قدر، وقرار يقضي بالتركيز على الحلول بدل لانغماس في المشاكل، وهي كذلك بحثٌ عن الفرص الكامنة في كل تحدٍ لا الانزلاق نحو هاوية اليأس، هذا التوجه الذهني يمثل جذور الاستدامة وبذورها الحقيقية، فكل فكرة إيجابية تُغرس في أرض الوعي الخصب تُثمر رُشداً في السلوكيات والعلاقات، وقدرة على الصمود في وجه الأعاصير والتحديات. إن الإيجابية المستدامة تتجسد في قدرتنا على تجديد طاقتنا الروحية والنفسية، فتمامًا كما تستنزف الموارد الطبيعية إذا لم يتم تدبيرها بحكمة، كذلك تستنزف طاقة الإنسان الإيجابية إذا لم يتغذى العقل بالاتزان، والقلب بالرضا والامتنان، والروح بالسلام والاطمئنان.. وكأننا نحدث نظاماً يصنع من بيئتنا الداخلية اتزاناً يُعيد “تدوير” الأفكار السلبية وتحويلها إلى دروس مستفادة، ويزرع بذور الأمل والتفاؤل كي نحصد إنتاجاً وإنجازاً بأقل المنغصات والمكدرات. إن انعكاس الإيجابية المستدامة لا يقتصر على الصعيد الفردي وحسب، بل يمتد ليشمل النسيج المجتمعي بأسره فالمجتمعات التي تُقدّر الإيجابية كمورد لا ينضب، وتُرسخ ثقافة التكامل والتآزر، هي مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر مرونة في التكيف مع المتغيرات، وأكثر إبداعًا في ابتكار الحلول المستدامة عند التحديات، لأنها تمكنت من احتضان الشعور الإيجابي وكذلك الفعل الإيجابي وبذلك تنامت طاقةً وثقةً حين تخلصت من الإفراط في التفكير أو سعت للتنفيس عن الغضب المكتوم أو التأثر بالمحبّطين، وهذا ما جعل أغلب من شارك في استطلاع للرأي نشرته مجلة النشرة النفسية ( ٢٧٥ ألف) شخص نسبوا نجاحهم إلى قوة الإيجابية فيهم. لذا، فليكن سعينا نحو إتقان مهارات” قوة الإيجابية” ليس مجرد مسعى فردي للراحة النفسية، بل مشروعًا وجوديًا ذا أبعاد مستدامة. مشروعًا يُعلِّمنا أن نكون قُوّى تغيير إيجابية، ليس فقط لأنفسنا، بل للمجتمع وللأجيال القادمة. أن نبني حصونًا من الأمل في وجه اليأس، وأن نغرس بذور التفاؤل في كل أرضٍ قاحلة، وأن نحقق بذلك إيجابية لا تنضب، بل تتجدد وتنمو، لتظل شذرات تُضيء دروبنا وتشعل جذوة الأمل لمستقبل أجمل.

Scroll to Top