مقالات

تقدم DAL من خلال مقالاتها محتوى معرفي متخصص يعكس التزامها بدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السودان والمنطقة. تسلط مقالاتنا الضوء على الابتكار، الجودة، والمسؤولية الاجتماعية، لتوفير رؤى معمقة تعزز من فهم التحديات والفرص، وتدعم تحقيق أهداف DAL في تحسين جودة الحياة وبناء مستقبل مستدام.

المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR): من مبادرات ظرفية إلى نضج مؤسسي وأثر مستدام

المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR): من مبادرات ظرفية إلى نضج مؤسسي وأثر مستدام

في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات وتتضخم التقارير، يظل سؤال الشك مشروعًا: هل نشهد تحولًا حقيقيًا في سلوك الشركات؟ أم أننا أمام إعادة تغليف للنموذج التقليدي بلغة أكثر قبولًا اجتماعيًا؟ الجواب لا يُقاس بعدد المبادرات، ولا بحجم الموازنات المرصودة، أراه أقرب للمدى الذي بلغته قدرة المسؤولية المجتمعية على إعادة تشكيل طريقة التفكير واتخاذ القرار داخل الشركة. هنا تحديدًا يتجلى التحدي الأكبر وهو الانتقال من CSR بوصفها أداة تواصل وتسويق، إلى CSR باعتبارها منهجًا مؤسسيًا حاكمًا يصنع أثرًا قابلًا للقياس والاستدامة. لماذا لم تعد المسؤولية المجتمعية خيارًا تجميليًا؟ ما عادت الشركات تعمل في فراغ اقتصادي معزول، لقد أصبحت فاعلًا داخل منظومة اجتماعية وبيئية شديدة الترابط، تخضع قراراتها لتدقيق غير مسبوق من المجتمعات، والمستثمرين، والجهات التنظيمية، والرأي العام العالمي. ومع تصاعد تحديات المناخ، واتساع فجوات عدم المساواة، وارتفاع منسوب الوعي المجتمعي، لم يعد تحقيق الربح كافيًا لتبرير الوجود المؤسسي. إنما أصبح السؤال الجوهري: كيف تحققت هذه الأرباح؟ وبأي أثر اجتماعي وبيئي؟ في هذا السياق، تحولت المسؤولية المجتمعية من ممارسة اختيارية أو نشاط علاقات عامة، إلى ضرورة استراتيجية تمس صميم استدامة الأعمال، وإدارة المخاطر، وبناء الثقة طويلة الأمد مع أصحاب المصلحة. مفهوم المسؤولية المجتمعية للشركات: من الهامش إلى القلب تُعرّف المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR) بأنها التزام المؤسسة بإدارة آثارها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بطريقة أخلاقية ومسؤولة، بما يحقق توازنًا واعيًا بين الربحية والتنمية المستدامة. غير أن الفارق الجوهري بين الفهم التقليدي والفهم المعاصر للمفهوم لا يكمن في التعريف، بل في موقع المسؤولية المجتمعية داخل البنية المؤسسية: في الفهم التقليدي: CSR نشاط جانبي، منفصل عن جوهر العمل. في الفهم المتقدم: CSR جزء لا يتجزأ من منظومة اتخاذ القرار، تؤثر في السياسات، وسلاسل الإمداد، وإدارة الموارد البشرية، ونماذج الاستثمار. وبذلك، لم يعد السؤال: ماذا نقدّم للمجتمع؟ تحول و أصبح: كيف نعمل داخل المجتمع؟ وبأي منطق؟ أصحاب المصلحة: من جمهور مستفيد إلى شركاء في القيمة أحد أهم التحولات المفاهيمية في المسؤولية المجتمعية هو الانتقال من التركيز الحصري على المساهمين إلى إدارة علاقات متوازنة مع أصحاب المصلحة (Stakeholders)، وهم: الموظفون العملاء الموردون المجتمع المحلي الجهات التنظيمية البيئة (بوصفها صاحب مصلحة غير مباشر) أهمية هذا التحول لا تكمن في شموليته فحسب، بل في كونه أداة استراتيجية لإدارة المخاطر وصناعة الفرص. فإهمال سلامة الموظفين يتحول إلى أزمة إنتاجية وقانونية، وتجاهل المجتمع المحلي قد يؤدي إلى فقدان “الرخصة الاجتماعية للعمل”، أما الممارسات غير المسؤولة في سلاسل الإمداد فقد تتطور إلى أزمات سمعة عابرة للحدود. إدارة أصحاب المصلحة بوعي تعني أن CSR تصبح رافعة للاستقرار المؤسسي طويل الأمد، لا عبئًا تشغيليًا إضافيًا. أبعاد المسؤولية المجتمعية وفق هرم كارول: تكامل لا تسلسل يُعد نموذج هرم كارول، الذي طوّره آرتشي كارول عام 1991، من أكثر الأطر استخدامًا لفهم أبعاد المسؤولية المجتمعية. غير أن الإشكال لا يكمن في النموذج ذاته، بل في سوء تطبيقه حين يُتعامل معه كتسلسل جامد، لا كنظام متكامل متداخل، وهو ما أكده كارول نفسه في مراجعاته اللاحقة. القيمة الحقيقية للنموذج تكمن في تكامل أبعاد الأربعة: 1. المسؤولية الاقتصادية الربحية هي الأساس الذي تقوم عليه الشركة، لكن المسؤولية الاقتصادية المعاصرة لا تعني تعظيم الأرباح بأي ثمن، بل تحقيقها بكفاءة وعدالة، دون تحميل المجتمع أو البيئة تكاليف خفية. ويكفي أن نعلم أن التلوث وحده يكلّف الاقتصاد العالمي ما يقارب 4.6 تريليون دولار سنويًا ليُدرك حجم الأثر غير المرئي للقرارات غير المسؤولة. 2. المسؤولية القانونية الامتثال للقانون هو الحد الأدنى المقبول اجتماعيًا. غير أن الشركات الناضجة لا تنتظر التشريع، بل تستبق، وتتطوع بتبني أفضل الممارسات قبل فرضها، إدراكًا منها أن القانون غالبًا ما يأتي متأخرًا عن الواقع. 3. المسؤولية الأخلاقية هنا تبدأ المنطقة الرمادية بين ما هو قانوني وما هو عادل. القرار الأخلاقي يتطلب شجاعة طرح الأسئلة الصعبة: هل هذا القرار منصف؟ هل يراعي الفئات الأضعف؟ هل يعكس القيم المعلنة أم يلتف عليها؟ 4. المسؤولية الإنسانية (الخيرية) قيمتها تُقاس بمدى ارتباطها برسالة الشركة واحتياجات المجتمع الحقيقية لا بحجم الإنفاق، إن المبادرات الأكثر أثرًا هي تلك التي تُبنى على فهم سياقي عميق، دون أن تبني على ردود فعل عاطفية أو موسمية. ISO 26000: عندما تتحول القيم إلى أنظمة عمل توفر المواصفة الإرشادية ISO 26000، الصادرة عن المنظمة الدولية للتوحيد القياسي عام 2010، إطارًا عمليًا يحوّل المسؤولية المجتمعية من خطاب نظري إلى ممارسة مؤسسية مندمجة في الحوكمة. ورغم أنها غير قابلة للشهادة، إلا أنها تُعد مرجعًا تطبيقيًا اعتمدته عشرات الآلاف من المؤسسات حول العالم، وتم تحديث توجهاتها لتشمل قضايا معاصرة مثل الذكاء الاصطناعي الأخلاقي. وترتكز ISO 26000 على سبعة مبادئ حاكمة: المساءلة الشفافية السلوك الأخلاقي احترام أصحاب المصلحة احترام سيادة القانون احترام المعايير الدولية احترام حقوق الإنسان تطبيق هذه المبادئ يعني أن CSR تصبح جزءًا من بنية الحوكمة، لا نشاطًا موازياً لها. لماذا تُعد المسؤولية المجتمعية استثمارًا استراتيجيًا? عندما تُدمج المسؤولية المجتمعية في الاستراتيجية العامة، تتحول من تكلفة تشغيلية إلى استثمار طويل الأجل يعيد تشكيل علاقة الشركة بمحيطها. وتتجلى أهميتها في عدة مسارات: بناء السمعة والثقة المؤسسية بوصفها رأسمالًا معنويًا يحمي الشركة في الأزمات تقليل المخاطر القانونية والتشغيلية عبر الاستباق لا ردّ الفعل جذب الكفاءات والاحتفاظ بها في سوق عمل يبحث عن المعنى لا الأجر فقط تحفيز الابتكار الاجتماعي وفتح أسواق ونماذج أعمال جديدة تحقيق ميزة تنافسية مستدامة يصعب تقليدها لأنها متجذرة في الثقافة والنظم من المبادرات إلى المنهج: شروط التطبيق المستدام أكثر إخفاقات CSR شيوعًا هو التعامل معها كمبادرات منفصلة، قصيرة الأجل، تُدار على هامش المؤسسة. أما التطبيق المستدام، فينطلق من سؤال أعمق: كيف نضمن أن ما ننفذه يُحدث تغييرًا حقيقيًا وقابلًا للاستمرار؟ ويتطلب ذلك أربع ركائز أساسية: تقييم الأثر قبل التنفيذ باستخدام أدوات مثل SROI مواءمة المبادرات مع استراتيجية الشركة الأساسية مؤشرات أداء تقيس التغيير لا النشاط حوكمة واضحة تضمن الاستمرارية والمساءلة عند تكامل هذه الركائز، تتحول المسؤولية المجتمعية من نشاط موسمي إلى رافعة استراتيجية للأثر والنمو. أنتهي لخلاصة: المسؤولية المجتمعية كنضج مؤسسي المسؤولية المجتمعية ليست سؤال ماذا نفعل؟ بل سؤال كيف نفكر؟ وكيف نتخذ القرار؟ الشركات التي تدرك هذا التحول لا تطارد الصورة، بل تبني أثرًا حقيقيًا، وتفهم أن الاستدامة ليست كلفة إضافية، إنما شرط وجود ومعيار بقاء ومؤشر استقرار وازدهار.

التحول الرقمي في العمل المجتمعي من الأدوات إلى المنهج… ومن التنفيذ إلى الأثر المستدام

التحول الرقمي في العمل المجتمعي

من الأدوات إلى المنهج… ومن التنفيذ إلى الأثر المستدام هل تشعر أحيانًا أن التحديات التي يواجهها العمل المجتمعي اليوم باتت أعقد من الأدوات التي نستخدمها لإدارتها؟هذا الشعور لم يعد فرديًا، بل أصبح سمة عامة في قطاع يواجه تشابكًا متزايدًا في القضايا الاجتماعية، وارتفاعًا في متطلبات الشفافية والمساءلة، وضغطًا مستمرًا على الموارد، في مقابل توقعات أعلى من المانحين والشركاء والمجتمعات المستفيدة.   في هذا السياق، لم يعد التحول الرقمي خيارًا تحسينيًا أو استجابة ظرفية، بل أصبح مسارًا مؤسسيًا لا غنى عنه إذا أردنا للعمل المجتمعي أن يحافظ على فاعليته، ويعزز أثره، ويضمن استدامته. لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بـ هل نتحول رقميًا؟بل بـ كيف نتحول دون أن نفقد جوهر الرسالة الإنسانية والقيمية التي يقوم عليها هذا القطاع؟ ⸻ ما الذي نعنيه بالتحول الرقمي في العمل المجتمعي؟ من الخطأ اختزال التحول الرقمي في استخدام أنظمة إلكترونية أو منصات تقنية.فالتحول الرقمي، في جوهره، هو تحول في طريقة التفكير والإدارة واتخاذ القرار، قبل أن يكون تحولًا في الأدوات. إنه انتقال:• من العمل القائم على الحدس والتجربة• إلى العمل القائم على البيانات والمعرفة والتحليل• دون التفريط بالبُعد الإنساني والأخلاقي الذي يميز العمل المجتمعي عن غيره من القطاعات. وعليه، يشمل التحول الرقمي الحقيقي خمسة محاور مترابطة:1. طريقة اتخاذ القرار2. آليات الحوكمة والمساءلة3. نماذج تقديم الخدمات4. أساليب قياس الأثر5. أنماط الشراكة والتكامل ⸻ لماذا يحتاج العمل المجتمعي إلى التحول الرقمي الآن؟ تسارع المتغيرات المحيطة بالقطاع المجتمعي يفرض إعادة النظر في نماذج العمل التقليدية، ومن أبرز هذه المتغيرات: تعقّد المشكلات الاجتماعية والإنسانيةلم تعد قضايا مثل الفقر أو البطالة أو الصحة أو الهشاشة الاجتماعية قضايا منفصلة، بل أصبحت شبكات متداخلة من الأسباب والنتائج.هنا يبرز التحول الرقمي كوسيلة للانتقال من منطق رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي، ومن الحلول العامة إلى التدخلات المبنية على فهم أعمق للواقع. ارتفاع توقعات المانحين والشركاءلم يعد كافيًا الحديث عن الأنشطة المنفذة، بل أصبح التركيز منصبًا على الأثر المحقق.التحول الرقمي يتيح تتبع النتائج، وربط المخرجات بالآثار، وتقديم بيانات موثوقة تعزز الثقة وتدعم استدامة الشراكات. تزايد متطلبات الحوكمة والشفافيةفي بيئة تتسم بتدقيق متزايد، أصبحت الشفافية والتوثيق شرطًا أساسيًا لاستمرار العمل.الأنظمة الرقمية تُمكّن من توحيد الإجراءات، وتقليل المخاطر التشغيلية، وبناء منظومات مساءلة أكثر وضوحًا وانضباطًا. مواءمة الجهود مع أهداف التنمية المستدامة (SDGs)تحقيق هذه الأهداف يتطلب دقة في التخطيط، وقدرة على الربط بين الأنشطة والمؤشرات، ومتابعة التقدم على المدى المتوسط والطويل، وهو ما يصعب تحقيقه دون أدوات رقمية فعّالة. ⸻ فرص التحول الرقمي في العمل المجتمعي التحول الرقمي لا يفتح بابًا واحدًا، بل يفتح منظومة من الفرص الاستراتيجية، من أبرزها: تعزيز الحوكمة والشفافيةتوثيق العمليات وتتبع القرارات يعزز الثقة المؤسسية، ويحد من الالتباس وسوء الفهم، ويقوي العلاقة مع المانحين والمجتمع. قياس أثر أكثر عمقًا وواقعيةبدل الاكتفاء بمؤشرات كمية سطحية، تتيح الأدوات الرقمية تحليل التغيرات الفعلية في حياة المستفيدين وربطها بالتدخلات المنفذة. رفع كفاءة اتخاذ القرارالقرارات المبنية على البيانات أكثر دقة، وأكثر استجابة للاحتياجات الحقيقية، وأقل عرضة للاجتهاد غير المحسوب. توسيع نطاق التأثيرالتقنية تتيح الوصول إلى فئات جديدة، وبناء شراكات عابرة للحدود، والاستفادة من نماذج مثل التطوع الرقمي، بما يضاعف الأثر بتكلفة أقل. دعم الاستدامة الماليةمن خلال تنويع مصادر التمويل، وتطوير نماذج مبتكرة كالتبرع الرقمي، والتمويل الجماعي، والاستثمار الاجتماعي القائم على الأثر. ⸻ التحديات: الوجه الآخر للتحول الرقمي رغم هذه الفرص، فإن التحول الرقمي في القطاع المجتمعي يواجه تحديات حقيقية، من أبرزها:• ضعف الجاهزية المؤسسية• نقص الكفاءات الرقمية المتخصصة• مقاومة التغيير داخل الفرق• مخاطر أمن المعلومات وحماية بيانات المستفيدين• غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة وهي تحديات تؤكد أن التحول الرقمي ليس مشروعًا تقنيًا، بل عملية تغيير مؤسسي تتطلب قيادة واعية ومنهجًا متكاملًا. ⸻ من الأدوات إلى المنهج: التحول الرقمي كمسار مؤسسي تجارب كثيرة أثبتت أن تبنّي التقنية بمعزل عن رؤية واضحة أو إطار حوكمي متكامل يؤدي إلى نتائج محدودة، وربما إلى تعقيد العمل بدل تحسينه. التحول الرقمي الحقيقي يتطلب:• سياسات واضحة لإدارة البيانات• حوكمة رقمية رشيدة تضمن الامتثال والأخلاقيات• استثمارًا جادًا في بناء قدرات الفرق البشرية• دمج التقنية في صميم التخطيط الاستراتيجي لا التعامل معها كمشروع جانبي عندما تصبح التقنية جزءًا من الرؤية، لا مجرد أداة تنفيذ، تتحول من عبء تشغيلي إلى رافعة استراتيجية للأثر والاستدامة. ⸻ خلاصة التحول الرقمي في العمل المجتمعي ليس سباقًا لاقتناء أحدث الأدوات، ولا استجابة عابرة لموضة إدارية، بل هو اختيار استراتيجي طويل المدى يعكس نضج المؤسسة، ووعيها بتغير السياق، والتزامها الحقيقي بصناعة أثر مستدام. الرهان الحقيقي ليس على التقنية ذاتها، بل على قدرتنا على توظيفها بوعي، وحوكمة استخدامها، وربطها بالقيم والرسالة التي من أجلها وُجد العمل المجتمعي أصلًا.

بناء القدرات المؤسسية: من التدريب العابر إلى التمكين المستدام

في عالمٍ يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد المؤسسات قادرة على الاكتفاء ببرامج تدريبية متفرقة، فالتحدي الأكبر لم يعد إكساب الأفراد مهارة جديدة، بل إحداث تحول مؤسسي شامل يعيد تشكيل الثقافة والأنظمة والهياكل، بحيث تتحول المعرفة إلى قدرة مستدامة قادرة على الصمود والتكيف وصناعة الأثر. هذا المقال يحاول تقديم رؤية شاملة لمسار بناء القدرات المؤسسية، نستعرض فيه الأبعاد النظرية والمستويات العملية، ثم ننتقل إلى الأطر والنماذج العالمية، وعدد من الحالات التطبيقية، قبل أن ننتهي إلى مسارات استراتيجية تساعد المؤسسات على التحول من التدريب العابر إلى التمكين المستدام.أولاً: الإطار المفاهيمي لبناء القدرات المؤسسيةبداية سأتناول تعريف المفهوم وفق الأمم المتحدة، حيث يُقصد ببناء القدرات “عملية تطوير وتقوية المهارات والقدرات والإجراءات والموارد التي تحتاجها المنظمات والمجتمعات كي تحيا، وتتكيف، وتزدهر في عالم سريع التغير”، هذا التعريف يوضح أن الأمر لا يتعلق بحدث تدريبي مؤقت، بل بعملية مستمرة تُحدث تحولاً داخلياً في طريقة التفكير والتصرف، بما يضمن الاستمرارية والتجدد.يأتي السؤال التالي ليحدد أبعاد القدرات التي نعنيها .. باختصار نتناول تحديداً المهارات الفردية مثل الكفاءات والمعارف التي يحملها الأفراد، والأنظمة والإجراءات في البنية التشغيلية التي تضبط العمل، بالإضافة إلى الثقافة المؤسسية في منظومة القيم التي تحدد طريقة التفكير واتخاذ القرار، وأخيراً الموارد مثل الأصول المالية والتقنية والبشرية اللازمة لدعم المسار.ثانياً: مستويات بناء القدراتبناء القدرات عملية متعددة المستويات، تتكامل فيما بينها فالمستوى الفردي الذي يتمثل في تطوير المهارات والمعارف من خلال التدريب وورش العمل والتوجيه، ومن الأمثلة: تدريب الموظفين على التحليل المالي أو إدارة المشاريع.أما المستوى التنظيمي فيقصد به تحسين الهياكل، والإجراءات، والسياسات الداخلية ومن أمثلته: إعادة هيكلة الموارد البشرية، وتطوير أنظمة الحوكمة، وتعزيز ثقافة العمل الجماعي، أما المستوى البيئي الذي يتطرق إلى التفاعل مع السياق الخارجي (القوانين، السياسات، الشراكات) ومن أمثلته: بناء شبكات مع الحكومات والمانحين، والتأثير في السياسات العامة، وتعزيز التعاون القطاعي.ثالثاً: من التدريب إلى التمكين المستداممن المهم التمييز بين المفهومين فالتدريب محطة مؤقتة لرفع الكفاءة الفردية، أما التمكين المستدام فهو مسار مؤسسي يجعل المنظمة قادرة على إدارة عملياتها وقراراتها بشكل مستقل ودائم، وهذا يأخذنا إلى خصائص التمكين المستدام الذي يتميز بالاستقلالية والاعتماد على الذات، بالإضافة إلى القدرة على التكيف والابتكار، و الاستمرارية والنمو طويل الأمد، وكذلك المساءلة والشفافية. رابعاً: الأطر والنماذج العالميةUSAID: ركز على القدرة التنظيمية والفنية والقدرة على التكيف، مع منهجية تقييم أولي وخطط وتنفيذ ومتابعة. ميزته الأساسية: الملكية المحلية والاستدامة.INEE: يدعم القدرات الوطنية والمحلية، خصوصًا في التعليم وحماية الطفل، مع أدوات تقدير القدرات والتكلفة التشغيلية، لتعزيز التوطين.McKinsey Capacity Assessment Grid: يقيم القدرات عبر سبعة مجالات رئيسية، مع مستويات معيارية لتحديد موقع المؤسسة والفجوات.EFQM: إطار شامل لتحسين الجودة المؤسسية، يربط بين القيادة، الاستراتيجية، الموارد، العمليات، والنتائج، ويعزز ثقافة التحسين المستمر.جدول مقارنة النماذج والأطر العالمية التركيز الأساسي آلية التقييم نقاط القوة حدود/تحديات النموذج/الإطار القدرة التنظيمية والفنية تقييم أولي – خطط – تنفيذ – متابعة شمولية، استدامة تقني أكثر منه ثقافي USAID دعم القدرات الوطنية والمحلية أدوات تقدير القدرات والتكلفة تركيز على التوطين تركيز ضيق (التعليم) INEE تقييم القدرات عبر 7 مجالات شبكة تقييم معيارية وضوح مؤشرات الأداء يتطلب بيانات دقيقة McKinsey CAG تحسين الجودة الشاملة مصفوفة تقييم النضج ربط القيادة بالنتائج معقد ويحتاج موارد EFQM جدول التحديات في مسار التمكين المستدام الوصف التأثير أمثلة التحدي تجاهل تطوير الأنظمة والهياكل نتائج قصيرة الأمد تدريب دون تغيير مؤسسي التركيز على المهارات التقنية نقص الموارد والضوابط المالية إدارة ضعيفة للمشاريع مؤسسة محلية تعاني ضعف القدرات التشغيلية رفض الأفراد الهياكل الجديدة إبطاء التحول المؤسسي رفض نظام رقمي جديد مقاومة التغيير غياب خطة شاملة جهود مجزأة ورش بلا رؤية طويلة نقص الأطر المنهجية جدول المسارات الاستراتيجية لتعزيز التمكين المستدام الإجراءات الرئيسية المخرجات المتوقعة أمثلة تطبيقية المسار الاستراتيجي إدارة المشاريع، قياس الأثر، الاتصال قدرات داخلية متنامية وحدة قياس الأثر في مؤسسة خليجية تأسيس وحدات دعم داخلية حوكمة، موارد بشرية، إعادة هيكلة كفاءة واستقلالية تحديث نظام الموارد البشرية تطوير الأنظمة والهياكل بناء علاقات طويلة الأمد نقل المعرفة والخبرة شراكة مع منظمة دولية الشراكات الاستراتيجية دمج التكنولوجيا والابتكار مرونة وتحسين الخدمات نظام رقمي لإدارة المشاريع التحول الرقمي والابتكار قياس الأثر وتحليل النتائج تحسين مستمر ومساءلة تقارير دورية عن الأداء الرصد والتقييم في الختام نؤكد على أن بناء القدرات المؤسسية رحلة تحول طويلة تتجاوز حدود التدريب، لتصبح إعادة تموضع مؤسسي يربط بين الفرد والتنظيم والبيئة. المؤسسة التي تسلك طريق التمكين المستدام تصبح أكثر قدرة على التعلم الذاتي، وإدارة مواردها، ومواجهة تحديات المستقبل بمرونة.هنا يبرز دور DALcs.org: ليس مجرد مزود تدريبي، بل شريك استراتيجي يقدم التفكير المنهجي، والأطر العالمية، والحلول المتكاملة، لمؤسسات تطمح إلى أن يكون أثرها ممتدًا ومستدامًا.القادة الذين يدركون أن النجاح يُقاس بعمق الأثر واستمراريته هم من يرسمون مستقبلًا أكثر وضوحًا وثباتًا لمؤسساتهم ومجتمعاتهم.

دور البحث العلمي في تعزيز الاستدامة المجتمعية وتطوير القطاع غير الربحي

دور البحث العلمي في تعزيز الاستدامة المجتمعية وتطوير القطاع غير الربحي

يشكل القطاع غير الربحي، المعروف أيضاً بالقطاع الثالث أو القطاع الأهلي، ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الحديثة وتعزيز رفاهيتها. تتجاوز مهام هذا القطاع تقديم الخدمات الخيرية والإنسانية لتشمل التنمية الاجتماعية، وحماية البيئة، وتعزيز الثقافة، والدفاع عن حقوق الإنسان، وغيرها من القضايا الحيوية.  ومع تزايد تعقيد التحديات المجتمعية وتنوعها، يبرز تساؤل جوهري حول مدى قدرة هذا القطاع على مواكبة هذه التحديات وتحقيق أقصى تأثير ممكن، في هذا السياق، يطرح النقاش حول دور البحث العلمي في تعزيز الاستدامة المجتمعية وتطوير القطاع غير الربحي نفسه بقوة، هل يُعد البحث العلمي ترفاً يمكن الاستغناء عنه في ظل محدودية الموارد، أم أنه ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لضمان فعالية واستدامة عمل هذه الجهات والمؤسسات؟ في هذا المقال سنعمل على دحض المخاوف المثارة حول تطبيق البحث العلمي في هذا القطاع، مؤكدين أن التغلب على هذه العقبات ممكن من خلال تبني استراتيجيات تعاونية وشراكات فعالة بين الأوساط الأكاديمية والمراكز البحثية والمنظمات غير الربحية والجهات المانحة، إن الاستثمار في البحث العلمي هو السبيل الأمثل لتمكين القطاع غير الربحي من مواجهة التحديات المعاصرة وتحقيق أثر مجتمعي مستدام. أهمية البحث العلمي في القطاع غير الربحي: يُعد البحث العلمي بمثابة المحرك الأساسي للتقدم في شتى المجالات، ولا يختلف القطاع غير الربحي عن غيره في حاجته الماسة إلى هذا المحرك لتعزيز فعاليته وتوسيع نطاق تأثيره، إن دمج المنهجية العلمية في عمل المنظمات غير الربحية يوفر لها أدوات قوية لتقييم برامجها، وتحديد الاحتياجات الحقيقية للمجتمعات، وتطوير حلول مبتكرة للتحديات المعقدة، تتجلى أهمية البحث العلمي في القطاع غير الربحي في عدة جوانب رئيسية: يُعد اتخاذ القرار المستنير حجر الزاوية في عمل أي منظمة تسعى لتحقيق أهدافها بكفاءة، في القطاع غير الربحي، حيث تكون الموارد غالباً محدودة والاحتياجات المجتمعية ضخمة، يصبح الاعتماد على البيانات والحقائق الموثوقة أمراً حيوياً، يوفر البحث العلمي، من خلال الدراسات المسحية والتحليلية، بيانات دقيقة حول التحديات الاجتماعية، والفئات المستهدفة، وفعالية التدخلات القائمة. على سبيل المثال يمكن لبحوث علمية محددة أن تسهم في تحديد الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية، مما يسهل في تطوير البرامج والمبادرات اللازمة، هذا يضمن أن القرارات لا تستند إلى الافتراضات أو الخبرات الفردية فحسب، بل إلى فهم عميق وموضوعي للواقع، فالأبحاث الميدانية والتأصيلية والتطبيقية ضرورية للقطاع غير الربحي لبلورة الاحتياجات الممكنة والمتاحة. لا يقتصر دور البحث العلمي على تحديد المشكلات، بل يمتد ليشمل إيجاد أفضل السبل لمعالجتها، من خلال البحث التطبيقي، يمكن للمنظمات غير الربحية تقييم برامجها الحالية، وتحديد نقاط القوة والضعف فيها، ومن ثم تطوير استراتيجيات لتحسين الأداء. يساعد البحث في تحديد أفضل الممارسات في مجالات مثل إدارة المتطوعين، وجمع التبرعات، وتنفيذ المشاريع، مما يؤدي إلى استخدام أكثر كفاءة للموارد وزيادة في التأثير الاجتماعي، على سبيل المثال، يمكن للبحوث أن تكشف عن أساليب مبتكرة لتقليل التكاليف التشغيلية مع الحفاظ على جودة الخدمات، أو تحديد العوامل التي تزيد من مشاركة المستفيدين وفعالية البرامج، إن الحاجة إلى الأبحاث الميدانية والتأصيلية والتطبيقية هي حاجة ملحة للقطاع غير الربحي. يواجه القطاع غير الربحي بيئة ديناميكية تتسم بالتغيرات المستمرة في الاحتياجات المجتمعية، والتقنيات المتاحة، والسياسات الحكومية، يوفر البحث العلمي منصة لاستكشاف حلول مبتكرة لهذه التحديات المتجددة، فهو يشجع على التفكير الإبداعي وتجربة مقاربات جديدة، مما يمكن المنظمات من التكيف بفعالية مع هذه التغيرات. لتقريب الصورة أكثر يمكن للبحث أن يحدد كيف تستطيع التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي أو تحليلات البيانات الكبيرة أن تعزز من قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات المستهدفة أو تقديم خدماتها بشكل أكثر كفاءة، إن البحث العلمي ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة استراتيجية لبناء مستقبل أكثر ازدهاراً وابتكاراً. يمكن للبحث العلمي أن يكون بمثابة جسر يربط بين القطاع غير الربحي والقطاعين العام والخاص، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون والشراكات الاستراتيجية، عندما تستند المنظمات غير الربحية إلى أدلة بحثية قوية، فإنها تكتسب مصداقية أكبر لدى الجهات الحكومية والشركات الخاصة والجهات المانحة، مما يسهل عملية جذب الدعم والتمويل.  كما أن البحث المشترك يمكن أن يوجه الجهود نحو أولويات مجتمعية مشتركة، مما يضمن تكامل الأدوار وتضافر الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي، هذا التكامل يساهم في تحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات وخدمات ملموسة، ويعزز من استدامة منظومة الابتكار الوطني. يساهم البحث العلمي في إثراء المعرفة المتخصصة حول قضايا القطاع غير الربحي، مما يعود بالنفع على الأوساط الأكاديمية والممارسين على حد سواء، فهو يشجع طلاب الدراسات العليا والباحثين التركيز على التحديات والفرص في هذا القطاع، مما يؤدي إلى زيادة عدد الخبراء المتخصصين في هذا المجال.  كما أن نتائج الأبحاث توفر للمنظمات غير الربحية أدوات ومفاهيم جديدة لتعزيز قدراتها الداخلية، سواء في التخطيط الاستراتيجي، أو إدارة المشاريع، أو تقييم الأثر، هذا البناء المستمر للقدرات يضمن أن القطاع غير الربحي يظل قادراً على التطور والنمو، ويساهم في توطين المعرفة وتحويلها إلى قيمة مضافة تنعكس على حياة الإنسان وتنمية الأوطان. التحديات والمخاوف أمام البحث العلمي في القطاع غير الربحي: على الرغم من الأهمية المحورية للبحث العلمي في تطوير القطاع غير الربحي، إلا أن هناك عدداً من التحديات والمخاوف التي غالباً ما تُثار عند مناقشة دمج البحث العلمي بشكل أعمق في هذا القطاع، هذه التحديات وإن كانت حقيقية إلا أنها لا تقلل من القيمة الاستراتيجية للبحث العلمي، بل تستدعي مقاربات وحلول مبتكرة للتغلب عليها، فيما يلي أبرز هذه التحديات وكيف يمكن التعامل معها: إحدى المخاوف الرئيسية هي أن الأبحاث التي تنتجها الأوساط الأكاديمية قد تكون نظرية بحتة، ولا تلبي بالضرورة الاحتياجات العملية والميدانية للمنظمات غير الربحية، قد يرى البعض أن لغة البحث الأكاديمي معقدة، وأن نتائجه قد لا تكون قابلة للتطبيق المباشر في سياقات العمل اليومي للمنظمات، مما يؤدي إلى شعور بعدم الجدوى من الاستثمار في هذا النوع من الأنشطة، هذا التحدي يبرز الحاجة إلى أبحاث تلامس الأولويات البحثية التي تسهم في مزيد من انتعاش عمل القطاع. يمكننا ردم هذه الفجوة بشكل فعال من خلال تعزيز آليات التعاون والشراكة بين الجامعات ومراكز الأبحاث والمنظمات غير الربحية، يجب إشراك المنظمات غير الربحية في مراحل تحديد أولويات البحث وتصميم الدراسات، لضمان أن تكون الأسئلة البحثية ذات صلة مباشرة بالتحديات التي يعايشها القطاع كما توصي الدراسات، فإن إشراك أصحاب المصلحة والخبراء في القطاع غير الربحي في المجموعات البحثية للجامعات يضمن أن تكون مخرجات البحث موجهة نحو خدمة احتياجات القطاع، بالإضافة إلى ذلك يمكن تطوير آليات لنقل المعرفة وتبسيط نتائج الأبحاث لتكون أكثر قابلية للفهم والتطبيق من قبل الممارسين. يُعد التمويل تحدياً كبيراً للعديد من المنظمات غير الربحية، وقد يُنظر إلى تخصيص الموارد للبحث العلمي على أنه رفاهية لا يمكن تحملها في ظل الأولويات الملحة الأخرى مثل تقديم الخدمات المباشرة للمستفيدين، قد يواجه البحث العلمي في القطاع

أربع تاءات تصوغ بيت الخبرة وريادة المستقبل

أربع تاءات تصوغ بيت الخبرة وريادة المستقبل

لم تكن تلك الزيارة عادية، ولا هي من النوع الذي يُسجَّل في مفكرة الأيام ثم يطويه النسيان. كانت رحلة مختلفة إلى مؤسسة صاعدة، وكنتُ أحسب في بدايتها أنني سأدخل إلى مكاتب حديثة الطلاء، وأرى بعض الأوراق المصفوفة على طاولات لامعة، وأسمع حديثًا تقليديًا عن مشاريع لم تكتمل بعد. غير أنّ ما شهدته كان أعمق بكثير من جدران ومكاتب. لقد وجدت نفسي أمام رؤية متماسكة، أمام بيت خبرة يتخلق من رحم الفكرة، وأمام أربعة أركان ترفع البنيان وكأنها تكتب فصلًا جديدًا في سجل الريادة المؤسسية. أربع تاءات، نُسجت بعناية، فكانت كأركان بيت أو كأوتار رباعية في آلة موسيقية كبرى: الاستشارات، الدراسات، القدرات، المبادرات. لم تكن هذه التاءات مجرد عناوين فرعية في وثيقة تعريفية، بل كانت أشبه بالدم الذي يتدفق في شرايين المؤسسة، يوزع الحياة على جسدها المتنامي. كل تاء تنطق بذاتها، لكنها لا تكتمل إلا بالأخرى. فالاستشارات هي البوصلة التي توجه، والدراسات هي العقل الذي يحلل ويستشرف، والقدرات هي الذراع التي تنفذ وتنجز، والمبادرات هي القلب الذي يضخ الحماسة والإبداع. وحين تجتمع البوصلة والعقل والذراع والقلب، يغدو البيت بيت خبراء حقيقي، لا يكتفي بملاحظة الاتجاه بل يصنعه، ولا يقف عند حدود الفكرة بل يحولها إلى واقع، ولا يرضى أن يكون تابعًا بل يسعى أن يكون رافعة للمؤسسات الأخرى، مُلهِمًا ومُعينًا. لقد ذكّرني هذا المشهد بما قاله ابن خلدون عن العمران البشري حين عدّه ثمرة التآزر بين الفكر والعمل، بين السياسة والاجتماع والاقتصاد. ولعل هذه المؤسسة الصاعدة أدركت بوعيٍ عميق أن التشتت يبدد الجهود، وأن التكامل هو السبيل الوحيد لصناعة المستقبل. ومن هنا جاءت هذه الأربع متشابكة لا تنفصل، كأنها أعمدة بيت واحد، إذا مال واحد منها اختل التوازن، وإذا اعتدل الأربعة ارتفع السقف شامخًا.في الممرات، لم تكن الخطوات عابرة. كان ثمة شعور يملأ المكان بأن كل تفصيلة محسوبة، وأن اتجاه البوصلة ليس وليد ارتجال، بل نتاج وعي متراكم ورغبة في الاستدامة. وحين جلست مع الفريق، لمحت في حديثهم ما يتجاوز الحماس العابر إلى ما يشبه الإيمان العميق بالرسالة. كانوا يتحدثون عن المستقبل كما لو كان حاضرًا ملموسًا، ويخططون للمؤسسات الأخرى كما لو كانت امتدادًا طبيعيًا لبيتهم. تلك هي ريادة الأعمال في أنقى صورها: أن ترى المستقبل قبل أن يراه الآخرون، وأن تؤمن أن مشروعك ليس لك وحدك بل هو للأمة جمعاء. الاستشارات عندهم لم تكن مجرد تقارير تُكتب، بل كانت مسارات تُفتح. الدراسات لم تكن جداول جامدة، بل قراءات عميقة تلتقط ما لا يراه الآخرون. القدرات لم تكن عناوين لورش تدريب، بل بناء ممنهج للإنسان والمؤسسة معًا. أما المبادرات، فكانت الروح التي تُبقي كل شيء حيًا، تدفعه إلى الحركة، وتعيد ضخ الدماء في العروق كلما أوشكت على الركود. رأيت في هذه المؤسسة صورة لما يجب أن تكون عليه نهضتنا المعاصرة: بيت خبرة متكامل، لا يُغريه البريق المؤقت، بل يشيد بنيانًا راسخًا يتجاوز الحاضر إلى المستقبل. إنّ المؤسسات في عالم اليوم لا تُقاس بكبر حجمها أو كثرة موظفيها، بل بقدرتها على أن تكون رافعة لغيرها، مصدرًا للإلهام، وحاضنة للمعرفة، وبيتًا تنبعث منه الثقة. تأملت في وجوه الشباب القائمين عليها، فوجدت فيها شيئًا من ملامح الأوائل الذين كتبوا تاريخ الأمة: أولئك الذين جمعوا بين الفكر والعمل، بين الحلم والواقع. وتذكرت قول الإمام علي رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يحسن”، فقلت في نفسي: هذه المؤسسة تعرف ما تحسن، وتصرّ أن تحسنه بأعلى درجات الجودة. لقد كان السرد الروائي للسيرة المؤسسية هنا مدهشًا بحق. فأنت لا تدخل إلى جدران، بل إلى قصة تتفتح أمامك فصلًا فصلًا. البداية كانت فكرة مشتعلة في عقول مؤمنين بضرورة التغيير. ثم جاءت مرحلة الدراسات لتُعطي الفكرة جناحين، تضع لها إطارًا علميًا ورؤية واضحة. ومع الاستشارات، وُضعت الأقدام على الطريق، وأُعطيت المؤسسات الأخرى بوصلة ترشدها وسط الضباب. ثم جاءت القدرات لتقول إن الفكرة من دون إنسان قادر ليست إلا حبرًا على ورق. وأخيرًا، حين بدت الحاجة إلى الروح، ظهرت المبادرات لتُشعل الحماسة وتبقي المؤسسة في حركة لا تهدأ. أربع تاءات، لكنها ليست أربعة خطوط متوازية لا تلتقي. بل هي أشبه بأربع أنهار تلتقي جميعها في بحر واحد، فإذا ارتوت به الأرض أزهرت، وإذا جفت تعثرت الخطوات. ومن هنا كان جمالها: التكامل الذي لا يُلغى فيه أحد، والتنوع الذي لا ينفصل عن الوحدة. ربما يسأل سائل: ما الذي يجعل هذه المؤسسة مختلفة عن غيرها فأجيب: لأنها لم تبدأ من سؤال “ماذا نفعل؟” بل من سؤال “كيف نخدم؟”. لأنها لم تحصر نفسها في دائرة الربح والخسارة، بل وسّعت رؤيتها لتكون رافعة لمؤسسات، وبيت خبرة لأجيال، ومبادرة تستنبت الخير حيثما زرعت. ولأنني زرت أماكن كثيرة، وحضرت عروضًا لا تنتهي، أستطيع القول بطمأنينة: إن هذه الزيارة لم يشهدها التاريخ في معناها ووقعها. فالتاريخ لا يُكتب بالسنوات وحدها، بل باللحظات التي تصنع فارقًا، وبالأفكار التي تضع حجر الأساس لعالم جديد. هنا، في هذه المؤسسة الصاعدة، شعرت أنني أمام مشروع يتجاوز اللحظة إلى الأفق، أمام بيت يشيّد على أربعة أركان متينة، أمام بوصلة تشير دومًا إلى الشمال الصحيح، وأمام قلوب مؤمنة بأن الاستدامة ليست شعارًا يُرفع، بل روحًا تُعاش. ولعل أجمل ما يمكن أن أختم به هو ما قاله مالك بن نبي: “إن مشكلتنا ليست في نقص الموارد، بل في نقص الأفكار”. وهذه المؤسسة هي برهان حي على أن الأفكار إذا صيغت برؤية، وتكاملت بأركان، وامتزجت بالقيم، تحولت إلى قوة نهضوية تصنع المستحيل. فلم تكن زيارتي مجرد مرور على مكاتب، بل كانت دخولًا إلى بيت خبراء يولد من رحم الحلم، يسير بخطى ثابتة، ويرفع راية الريادة، ويُعلن أن أربع تاءات إذا تكاملت، فإنها لا تصنع مؤسسة فحسب، بل تؤسس لعصر جديد من النهضة المؤسسية.

قياس الأثر الاجتماعي: منهجيات وأدوات لتقييم المبادرات المجتمعية

قياس الأثر الاجتماعي: منهجيات وأدوات لتقييم المبادرات المجتمعية

رغم كثرة المبادرات الخيرية والمجتمعية التي تُموَّل بسخاء وتستنزف جهدًا ووقتًا، يبقى السؤال حاضرًا: لماذا لا ينعكس كل هذا العطاء على حياة الناس بتغيّر ملموس؟ كثير من المشاريع تُنفَّذ بحماس، وتُوثَّق بالصور والأرقام، لكن عند العودة إلى الميدان، نجد أن الواقع لم يتبدل كما كنا نأمل. هنا يظهر جوهر المسألة، البرامج لا تكفي إن لم تُقَس نتائجها، والأنشطة لا تعني شيئًا إن لم تُترجم إلى أثر اجتماعي حقيقي. في هذه المقالة، سنستعرض المنهجيات والأدوات الرئيسية لتقييم المبادرات المجتمعية، مع التركيز على كيفية تطبيقها عمليًا، لمساعدتك في فهم كيف يمكن أن يصبح القياس جزءًا أساسيًا من نجاح مبادراتك.. ما هو قياس الأثر الاجتماعي؟ وكيف نشأ وتطور يُعرَّف الأثر الاجتماعي بأنه جملة التغييرات التي يحدثها أي برنامج أو مبادرة أو تدخل مجتمعي في حياة الأفراد والمجتمعات. هذه التغييرات قد تكون، إيجابية أو سلبية؛ فبعض البرامج تحقق تحسينًا في جودة الحياة، بينما قد تترك آثارًا غير مقصودة تؤدي إلى نتائج عكسية. مباشرة أو غير مباشرة؛ إذ قد يظهر الأثر على المستفيدين الأساسيين من المبادرة، أو على فئات محيطة بهم (مثل أسرهم أو المجتمع الأوسع). مقصودة أو غير مقصودة؛ ليس كل أثر يتحقق نابعًا من أهداف البرنامج، إذ قد تنشأ نتائج لم تكن في الحسبان. وقد ظهر مفهوم الأثر الاجتماعي تاريخيًا استجابةً للتساؤلات حول فعالية العمل الخيري والإنساني. فمع اتساع حجم التمويل الموجَّه للمبادرات غير الربحية منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ الباحثون وصانعو السياسات يدركون أن قياس الأنشطة أو حجم الإنفاق لا يكفي للحكم على نجاح البرامج. كانت الحاجة ملحّة إلى أداة تكشف: ما الذي تغيّر فعليًا في حياة الناس؟ تطوّر المفهوم تدريجيًا من مجرد رصد للنتائج الظاهرة إلى منظومة متكاملة تشمل أدوات كمية وكيفية، ونماذج تحليل مثل نظرية التغيير (Theory of Change) والعائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI)، وصولًا إلى المنهجيات الحديثة التي تدمج بين العلوم الاجتماعية والاقتصادية والتقنيات الرقمية. واليوم يُنظر إلى قياس الأثر الاجتماعي باعتباره عنصرًا جوهريًا للحوكمة الرشيدة، ولضمان أن يتحول العطاء إلى قيمة ملموسة ومستدامة. المنهجيات الرئيسية للقياس: الآن، دعنا نغوص في المنهجيات الرئيسية، ونذكر منها: تُعَدّ من أكثر المنهجيات استخدامًا لقياس الأثر الاجتماعي، إذ تقوم على رسم خريطة واضحة للعلاقة السببية بين المدخلات (الموارد المستثمرة)، والمخرجات (النشاطات والبرامج المنفذة)، والنتائج (التغييرات الفعلية على الأفراد والمجتمع). ما يميز هذه المنهجية أنها لا تكتفي برسم الخطوات، بل تكشف الافتراضات الكامنة خلفها، وتُحدد المؤشرات التي يمكن من خلالها متابعة التقدم.  يمكن أن نرى فعاليتها في مبادرات مجتمعية متعددة. على سبيل المثال: في برنامج لتحسين الصحة، تُظهر المنهجية كيف أن توزيع الأدوية (مدخلات) يؤدي إلى ورش توعية (مخرجات) والتي تُسهم في انخفاض معدلات الأمراض (نتيجة). وفي مبادرة لتمكين الشباب، يمكنها أن توضح كيف تتحول ورش التدريب (مخرجات) إلى زيادة فرص التوظيف وتحسين سبل العيش (نتائج). . تُعَدّ منهجية SROI من أبرز الأدوات التي تُحوّل النتائج الاجتماعية والبيئية إلى قيم مالية قابلة للقياس، بحيث تُمكّن صانعي القرار من معرفة، كم يساوي كل ريال أو دولار يتم استثماره من أثر اجتماعي ملموس. قوتها الرئيسة تكمن في أنها تُبسّط التواصل مع المانحين وأصحاب المصلحة بلغة الأرقام، استُخدمت هذه المنهجية في المملكة العربية السعودية لتقييم برامج دعم أطفال التوحّد، وأظهرت النتائج أن الاستثمار في هذه البرامج لم يحسّن حياة الأطفال فحسب، بل انعكس إيجابًا على رفاهية الأسرة وتقليل الأعباء الاقتصادية. وفي مثال آخر، في مشروع بيئي مجتمعي، يمكن حساب قيمة تقليل التلوث من خلال تقدير انخفاض تكاليف الرعاية الصحية الناتجة عن تحسين جودة الهواء. أما منهجية الفرق في الفرق (DiD)، فتعتمد على مقارنة التغيرات بمرور الوقت بين مجموعات متدخلة وأخرى غير متدخلة، مما يتيح تقدير الأثر بدقة أكبر. تكمن قوة هذه المناهج في الصرامة العلمية، وهو ما يجعلها مرجعًا موثوقًا في التقارير الرسمية وصياغة السياسات. فهي قادرة على الإجابة بثقة عن السؤال: “هل كان هذا التغيير نتيجة للتدخل، أم لظروف أخرى، فمثلًا: يمكن لـ RCTs أن تقيس أثر الدعم المالي المباشر بمقارنة القرى التي تلقت المساعدة مع قرى مشابهة لم تتلقَ أي دعم.  تشمل دراسات الحالات والمقابلات لفهم السياقات. قوتها في الغنى العاطفي والسياقي، مما يلتقط التغييرات غير الكمية مثل الثقة المجتمعية. ضعفها في عدم الكمية، مما يجعلها أقل إقناعًا للمانحين الذين يفضلون الأرقام، وتحتاج إلى مهارات تحليل عالية. تطبيقها في المبادرات المجتمعية يكمل الطرق الكمية، مثل في فهم تأثير برنامج محلي من خلال قصص المستفيدين. مثال: في مشروع تمكين نساء، تستخدم المقابلات لوصف كيف غيرت الدورات شعورهن بالاستقلال. الأدوات والمؤشرات للتقييم: إذا كانت المنهجيات بمثابة الخريطة التي توضّح مسار التغيير، فإن الأدوات هي “صندوق العدة” الذي يساعد على قياس كل خطوة على هذا الطريق. لتقريب الصورة، تخيّل منظمة تعمل على برنامج لتمكين النساء. باستخدام استبيان بسيط، يمكن قياس زيادة الثقة بالنفس لدى المستفيدات بعد المشاركة في البرنامج. وعند تحليل هذه الإجابات عبر أدوات تقنية وربطها بإطارات المؤشرات، تتحول الملاحظات الفردية إلى بيانات قابلة للقياس، تُظهر بوضوح مدى نجاح البرنامج وتأثيره.  خطوات عملية لقياس الأثر: الآن، دعنا نجعل الأمر عمليًا، قياس الأثر الاجتماعي ليس مجرد جمع بيانات، بل هو عملية منظمة تبدأ من التخطيط وتنتهي بالتحسين المستمر. هذه الخطوات تضمن أن تكون المبادرة موجهة نحو تحقيق أهدافها بفعالية، مع التركيز على إشراك المستفيدين وتحويل البيانات إلى قرارات استراتيجية. دعني أشرح كل خطوة مع أمثلة بسيطة لتوضيح كيف يمكن تطبيقها في مبادرة مجتمعية. تحديات قياس الأثر المجتمعي: قياس الأثر ليس بالأمر السهل، دعنا نستعرض التحديات الرئيسية في قياس الأثر الاجتماعي للمبادرات المجتمعية وكيفية التغلب عليها: في النهاية، يبقى قياس الأثر الاجتماعي حجر الزاوية الذي يحدد إن كانت المبادرات المجتمعية مجرد أنشطة عابرة، أم أنها بالفعل تصنع فارقًا عميقًا ومستدامًا في حياة الناس. وهنا يأتي دور DAL، التي جعلت من القياس ثقافةً لا إجراءً ثانويًا؛ ومن الأثر بوصلةً توجه كل خطوة نحو استدامة أعمق. إذا كنت تسعى إلى أن تتحول برامجك من جهود مبعثرة إلى قيمة ملموسة تُحدث فرقًا حقيقيًا، فدعنا نرافقك في رسم هذا المسار.  تواصل مع DAL اليوم، ودعنا نساعدك في بناء منهجية قياس تُحوّل مبادراتك إلى أثرٍ يُرى ويُحسّ.

الاستدامة المجتمعية: المفهوم، الركائز، وأفضل الممارسات في العالم العربي

الاستدامة المجتمعية: المفهوم، الركائز، وأفضل الممارسات في العالم العربي

يشهد العالم العربي، بتاريخه العريق وثقافته الغنية، مرحلة تحولات عميقة تتشابك فيها الفرص مع التحديات. ففي خضم السعي نحو التنمية والازدهار، تبرز تحديات هيكلية مثل التغيرات المناخية، وندرة الموارد، والتحولات الديموغرافية، والضغوط الاقتصادية. هذه التحديات لا تهدد فقط استقرار المكتسبات الحالية، بل تلقي بظلالها على مستقبل الأجيال القادم.  من هنا، لم يعد الحديث عن التنمية بمعزل عن الاستدامة ممكنًا. وتأتي الاستدامة المجتمعية لتشكل حجر الزاوية في هذا النموذج التنموي الجديد، فهي رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء مجتمعات قادرة على الصمود والنمو. إن دمج هذا المفهوم في صلب السياسات والممارسات اليومية، سواء على مستوى الحكومات أو القطاع الخاص أو المجتمع المدني، هو السبيل لضمان استقرار اجتماعي واقتصادي حقيقي، حيث يصبح الإنسان هو محور التنمية وغايتها.  ما هي الاستدامة المجتمعية؟ تعريف وأبعاد تُعرّف الاستدامة المجتمعية بأنها مجموعة الجهود والعمليات التي تدعم قدرة الأجيال الحالية والمستقبلية على بناء مجتمعات صحية وعادلة ومتماسكة. إنها تركز على “الناس” وكيفية تفاعلهم مع بعضهم البعض ومع بيئتهم، لضمان جودة حياة كريمة للجميع. الفرق بين الاستدامة المجتمعية والتنمية المستدامة: كثيرًا ما يتم الخلط بين المفهومين، ولكن يمكن تمييزهما كالتالي: أبعاد الاستدامة وربطها بالمجتمع: الركائز الأساسية للاستدامة المجتمعية: تقوم الاستدامة المجتمعية على أسس متينة تضمن تماسك المجتمع وقدرته على التطور:  أهمية الاستدامة المجتمعية في العالم العربي: تكتسب الاستدامة المجتمعية أهمية خاصة في المنطقة العربية نظرًا للتحديات الفريدة التي تواجهها: أمثلة لأفضل الممارسات في العالم العربي: بدأت العديد من الدول العربية في تبني ممارسات الاستدامة المجتمعية، وهناك أمثلة ملهمة على ذلك: التحديات التي تواجه الاستدامة المجتمعية في المنطقة: على الرغم من التقدم المُحرز، لا تزال هناك تحديات كبيرة تعترض طريق تحقيق الاستدامة المجتمعية في العالم العربي: استراتيجيات تعزيز الاستدامة المجتمعية: للتغلب على هذه التحديات، يمكن تبني مجموعة من الاستراتيجيات المتكاملة: دور المؤسسات البحثية: في مشهد تعزيز الاستدامة المجتمعية، تبرز المؤسسات البحثية كجسور حيّة بين النظرية والتطبيق، تجمع بين التحليل العلمي والفهم الميداني لتوجيه السياسات، وتحفيز الابتكار، وتعزيز الشراكات التي تصنع أثرًا مستدامًا.هنا يأتي دور DAL، كبيت خبرة معرفي متخصص في الاستدامة المجتمعية، يوظّف الدراسات الدقيقة، وحلول البيانات، وبرامج التدريب المتقدمة لتصميم استراتيجيات محلية ملائمة، وإطلاق مبادرات قادرة على مواجهة التحديات الفعلية للمجتمعات العربية.من خلال خبراتها، تمكّن DAL الجهات غير الربحية، والقطاع الخاص، وصنّاع القرار من الانتقال من الأفكار إلى الممارسات، ومن المبادرات المحدودة إلى النظم المستدامة، مستلهمة نماذج إقليمية وعالمية، ومكيّفة إياها مع الخصوصية المحلية. خاتمة ملهمة: مسؤوليتنا المشتركة لمستقبل واعد إن الاستدامة المجتمعية ليست ترفًا فكريًا أو خيارًا مؤجلاً، بل هي ضرورة حتمية لمستقبل العالم العربي. إنها دعوة مفتوحة للجميع، حكومات وشركات وأفراد، للعمل معًا بروح من المسؤولية المشتركة. فمن خلال الاستثمار في الإنسان، وحماية كوكبنا، وبناء مجتمعات عادلة وشاملة، يمكننا أن نضمن لأجيالنا القادمة إرثًا من الأمل والازدهار، ومستقبلًا يليق بتاريخنا وطموحاتنا.

الاستدامة والقوة الناعمة ! 

الاستدامة والقوة الناعمة ! 

في رحاب عالمنا المعاصر، تتسابق الدول على صفقات التسلح حتى بلغت ميزانيات الدفاع في العام المنصرم ٩٠٠ مليار دولار، لو جرى دفع ربع هذا الرقم لتلاشت أغلب أزمات العالم البالغ عددها ٥٦ أزمة تعصف بالكوكب. درجة الحيرة التي بلغها العالم نتيجة هذه التحديات الكبرى أدت لإضعاف منظوماته التي تحفظ السلم والأمن الدوليين وقد بات البحث عن خيارات بديلة هاجس الكثير من الدول والأقاليم بعد أن وصلنا إلى خيارات مسدودة وهو ما عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة في قمة المستقبل حين وجّه الدعوة لقادة العالم في سبتمبر ٢٠٢٤ وقال لهم بصوت واضح “لسنا على الطريق القويم، ولن نبلغ أهداف التنمية المستدامة في موعدها” !. من بين الآفاق التي تعيد البوصلة إلى المسار “القويم” فكرة “القوة الناعمة” التي تتجاوز مفردات القوة التقليدية وتداعيات التوحش الرأسمالي، لتبلغ الأعماق في النفوس وكذلك العقول، تلك الطاقة الخفية التي تنبع من قلب العطاء وتنبض بالحكمة، والتي تجعل من الأوطان منارات جاذبة تتكامل مكوناتها دون أن تتآكل وتستثمر في مواردها دون أن تنهك حاضرها أو تهدر رصيدها. في تقرير مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2025 الذي صدر مؤخراً يؤكد ما نعرفه بالفطرة أن الدول التي تمتلك أرصدة من القوة الناعمة هي الأقدر على صياغة مستقبلها ومستقبل العالم .. إنها الدول التي تستثمر في الإنسان، وتؤمن بأن أهداف التنمية المستدامة ليست مجرد أرقام، بل هي قناعة وثقافة وممارسة، وهذا ما يفتح مسارات جديدة، لتحوّل إرثها الإنساني والعمراني إلى أسوار من الحماية الناعمة التي لا تكسر ولا تُقهر. يُلخص تقرير مؤشر القوة الناعمة العالمي 2025 في منهجيته كيف تُقاس قدرة الدولة على التأثير في الآخرين من خلال الجاذبية والإقناع، ويعتمد على مسح عالمي لآراء أكثر من 170 ألف مشارك من 100 سوق حول العالم يقيس ثلاثة مؤشرات أداء رئيسية (KPIs) وثمانية ركائز أساسية، أما المؤشرات فهي الشهرة (Familiarity)   يتناول مدى معرفة الجمهور بالدولة، والمؤشر الثاني يتمثل في السمعة (Reputation) الذي يتطرق إلى الانطباع العام الإيجابي أو السلبي عن الدولة، أما الثالث فهو التأثير (Influence) حيث يقيس مدى نفوذ الدولة في الشؤون العالمية. ويُقيّم أداء الدولة في الركائز الثماني، التي تشمل الأعمال والتجارة (Business & Trade) حيث قوة الاقتصاد والمنتجات والعلامات التجارية، ثم الحوكمة (Governance) عن مدى استقرار الحكومة، والالتزام بالقانون، والنزاهة، بالإضافة إلى العلاقات الدولية (International Relations) ومدى فعالية الدبلوماسية، والعلاقات مع الدول الأخرى، والمساهمة في السلام.  وعلى وقع عاصمة الثقافة والإعلام التي نعيشها هذا العام هناك ركيزة رابعة تتعلق بالثقافة والتراث  (Culture & Heritage)  من حيث جاذبية الثقافة، والتراث التاريخي، والمطبخ، والفنون، وكذلك ركيزة الإعلام والاتصال (Media & Communication) التي تتمثل في جودة الإعلام، والتغطية الإخبارية، ووجود القنوات الإعلامية الدولية، بالإضافة لركائز أخرى كالتعليم والعلوم (Education & Science)يقاس فيها مستوى التعليم العالي، وجودة الأبحاث العلمية، وسابع الركائز الناس والقيم (People & Values)  الذي يتناول فيه مدى ترحيب الشعب، وقيمه الأخلاقية، ومستوى المعيشة، وأخيراً المستقبل المستدام (Sustainable Future) عبر الاهتمام بالبيئة والخضرنة، والتطور التكنولوجي، والطاقة المتجددة. لقد كان من أبرز النتائج العالمية لعام 2025 احتفاظ الولايات المتحدة الأمريكية بصدارة المركز الأول في المؤشر، على الرغم من تراجعها في بعض الركائز مثل الحوكمة والناس والقيم، وحققت الصين صعوداً وتقدماً ملحوظاً في ست من أصل ثماني ركائز، مما يعكس نجاح جهودها في تحسين صورتها الدولية، وتصدرت كوريا الجنوبية الدول الأسرع تقدماً وتحسناً في الأداء، تلتها السلفادور، لقد أكد التقرير الذي يجري تنشره سنوياً من وكالة Brand Finance دور القوة الناعمة في الأزمات أظهر التقرير أن الدول التي تتمتع بقوة ناعمة قوية تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات العالمية بفعالية. يمكن للدولة أن تستثمر إرثها وسماتها في صياغة استراتيجية متكاملة لتعزيز قوتها الناعمة ومن خلال تفعيل الدبلوماسية الإنسانية عبر التوثيق المنهجي وإنشاء منصات  رقمية موحدة لتوثيق المشاريع الخيرية والإنسانية تعرض تأثيرها الإيجابي على حياة المستفيدين، أو الترويج الدولي من خلال إعداد حملات إعلامية احترافية باللغات الأجنبية للتعريف بالدور الإيجابي أو الحضاري والإنساني، بالتعاون مع وسائل الإعلام العالمية، وكذلك الشراكات الاستراتيجية عبر ابتكارات لافتة مثل “منحة التصوير” التي بادر إليها صديقنا المبدع سامي الرميان أو بناء شراكات نوعية مع المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة واليونيسف وغيرها، لضمان الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة، وتعزيز مكانة الدولة كشريك موثوق به في العمل الدولي. إن تعزيز الدبلوماسية الثقافية من خلال إطلاق برامج لتبادل الشباب والمهنيين بين الدول يزيد من رسوخ التفاهم الثقافي وتعريف العالم بالقيم السائدة، وكذلك المشاركة في المحافل الدولية مثل المعارض الفاعلة والمؤتمرات الثقافية الدولية، وعرض الفن الممزوج أصالة ومعاصرة، مما يساهم في إثراء الحوار الثقافي العالمي، وهذا يتزامن مع الاستثمار في الإعلام والاتصال باستراتيجية رقمية تضع خطة إعلامية رقمية تستهدف الجمهور العالمي، توظف وسائل التواصل الاجتماعي لنشر قصص النجاح وتستعين بالمؤثرين أو تتعاون مع الشخصيات العامة العالمية لزيارة الدولة وتغطي أنشطتها وحياتها الاجتماعية والثقافية وجهودها الإنسانية، مما يضمن وصول الرسالة إلى جماهير جديدة. لو أردنا استخلاص فكرة أساسية مفادها أن تعزيز القوة الناعمة يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين إرثنا الغني، واستثمارنا الذكي في الشباب وتفعيل دبلوماسيتنا الإنسانية والثقافية، يمكن أن تتحوّل جاذبية الدولة المحلية والإقليمية إلى قوة تأثير عالمية، وأن تساهم بفاعلية في بناء عالم أكثر سلاماً وتضامناً، تتجلى فيها الحكمة ومدّ جسور الود، لا على أساس المصالح الضيقة، بل على قيم الأخوة الإنسانية وفي هذا تكمن معاني الاستدامة، علينا أن نكون سفراء لأوطاننا وأخص بالدعوة شبابنا الواعد عليهم أن يحملوا هذه الراية ويسهموا في صياغة مقدرات المستقبل، وأن يكونوا مصدر فخر لأوطانهم في كل محفل، لنجعل من كل عمل وإنتاج، وكل مبادرة ومشروع، وكل كلمة طيبة، حلقة في استدامة القوة الناعمة.

عمّق الله أثركم

عمّق الله أثركم

في ظل التطلعات التنموية للدولة، ورؤيتها لمستقبل مزدهر ومستدام، يبرز دور مؤسسات المجتمع المدني، كركيزة أساسية وشريك، لا غنى عنه في تحقيق هذه الأهداف. فكما نصت الخطة الإنمائية، فإن بناء “جهاز مؤسسي داعم؛ يرسخ القيم، ويحافظ على الهوية الاجتماعية، ويحقق التنمية البشرية والتنمية المتوازنة”، هو جوهر مسيرتنا التنموية، ومع دخول الخطة الإنمائية الرابعة (2025-2030) حيز التنفيذ، يزداد زخم الحاجة إلى تفعيل هذه المؤسسات بشكل أعمق وأشمل. إن ما نتمتع به من بيئة خصبة لنمو العمل التطوعي والمجتمعي، تغذيها تلك الروح الإنسانية المتجذرة والتعايش المجتمعي بين مختلف الأطياف، هي عوامل فاعلة في إدماج الأفراد والجمعيات في الجهود الإنمائية. هذا التوجه يتناغم تماماً مع شعار الأمم المتحدة في خطة التنمية المستدامة 2030 “لن نترك خلف الركب أحد”، والذي يؤكد ضرورة جعل الناس أنفسهم عنصراً فاعلاً في تنفيذ الخطط، فالمجتمع المدني، بجذوره الممتدة اجتماعيا، يمكن أن يكون جسراً حقيقياً بين القطاع العام والخاص. واقع المجتمع المدني في الكويت اليوم مبشر، فالبلاد تضم أكثر من 300 واجهة، تمثل مؤسسات مسجلة تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى أكثر من 700 فريق ومبادرة تطوعية مسجلة رسمياً، ولا ننسى المئات من النماذج المجتمعية “غير المهيكلة” كالصناديق العائلية، والأوقاف الذرية، هذه الأرقام تعكس حيوية هذا القطاع وإسهاماته المتعددة، والتي تتراوح تقديراتها المالية لإنفاق الجهات الخيرية سنوياً بنحو 200 مليون دينار كويتي، الأهم من ذلك، أن هذا القطاع يستحوذ على نسبة جيدة من الكوادر الوطنية، من حديثي التخرج والعاملين في القطاعين، العام والخاص، وصولاً إلى شريحة المتقاعدين الذين يجدون فيه فرصة للإنجاز والعطاء. لقد أثبتت مؤسسات المجتمع المدني الكويتي مراراً وتكراراً قدرتها على العطاء والمساندة في أصعب الظروف، فمنذ عقود، كانت هذه المؤسسات سباقة في الاستجابة للأزمات، وليس آخيراً مساهماتها الفاعلة في مواجهة تداعيات السيول والأمطار في عام 2019، وما تلاها خلال جائحة “كورونا”، ودعمها المتواصل للدور الإنساني في أزمات المنطقة كبرى، مثل سورية، والعراق واليمن، وعلى رأس هذه الجهود في القدس وفلسطين حيث ساعدت في تأكيد ريادة الكويت، وبلوغ مكانة متميزة على الصعيد العالمي، توجت بإطلاق لقب “المركز الإنساني”. لتعزيز هذا الدور الحيوي، وضمان إسهام أكبر لمؤسسات المجتمع المدني في الخطة الإنمائية للدولة، آمل تبني عدد من النصائح التي أضعها بين يدي المعنيين: أولها، بناء القدرات: يحتاج المجتمع المدني إلى جرعات مكثفة من الوعي التنموي بالخطة الإنمائية، ومؤشراتها، بما يضمن تناغم أدائه مع الأهداف الوطنية، إن الاستثمار في تدريب الكوادر وتطوير مهاراتهم، الإدارية والفنية، سيعود بالنفع على الجميع. ثانيها، دعم المبادرات: إن توجيه حصة معقولة من الموارد للمجتمع المدني، وتعزيز بيئة التمكين، وتبني المبادرات النوعية التي تدعم الخطة الإنمائية، إذا ما تواكب مع معايير حوكمة رشيدة ، يمكن إسناد عدد من مشروعات الخطة الإنمائية له، من خلال تحالفات تنموية قطاعية، وتوسيع إطار الشراكة مع برامج المسؤولية المجتمعية للشركات، وحتى تخصيص حصة من عوائد الزكاة. ثالثها، تمثيل متوازن: لا يمكن للمجتمع المدني أن يؤدي دوره كاملاً دون إشراكه في لجان التوجيه، وصناعة القرار الإنمائي، فالاستماع إلى أفكارهم وطروحاتهم الجادة سيعزز مفاهيم وآليات الحكم الرشيد. رابعها، بيئة تشريعية وحوكمية داعمة: يتطلب الأمر إصدار قانون عصري تشاركي يتلاءم مع الدور المأمول للمجتمع المدني، كما يجب رفع نسبة مؤسساته التي تلتزم بالحوكمة، وتوفير الحوافز اللازمة، وإزالة القيود والعوائق التي تواجهها. آخرها: إطلاق المرصد الوطني للمجتمع المدني:فهذا لا يوجد حالياً، لحصر دقيق للعاملين في المجتمع المدني، ولا مؤشرات واضحة لحجم إسهامه في الناتج المحلي لذا، فإن إطلاق مرصد وطني يتولى إصدار بيانات إحصائية، وتقارير دورية عن فاعلية هذا القطاع، سيساهم في تسليط الضوء على دوره الحيوي ويسهل عملية التخطيط والتنسيق. إن “رؤية كويت 2035″ التي تؤكد تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار يقــوم فيــه القطــاع الخــاص بقيــادة النشــاط الاقتصــادي… وترســخ فيــه القيــم وتحافــظ على الهوية الاجتماعية، وتحقق التنمية البشرية والتنمية المتوازنة”. لا تزال خريطة طريق لمستقبلنا… ومؤسسات المجتمع المدني جزءاً لا يتجزأ من تحقيق هذه الرؤية الطموحة. فبتعزيز الشراكة الحقيقية، وتمكين هذا القطاع، نضمن أن “لن نترك خلف الركب أحد”، وأن مسيرة التنمية المستدامة في الكويت ستمضي بخطى ثابتة نحو تعميق الأثر.

التنمية المستدامة آفاق واعدة

التنمية المستدامة آفاق واعدة

في التاريخ المعاصر، وتحديدًا في عام 1972، تنبه العالم إلى خطورة استنزاف الموارد، وقام نادي روما بنشر وثيقة “The Limits to Growth” «عوائق النمو»، والذي تم التركيز فيه على وقف استنزاف الموارد أو استهلاكها بشكل رشيد. وعلى إثر ذلك، تم إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، وأُصدر “إعلان استوكهولم” المعني بالبيئة البشرية، وتم اعتماده ويتضمن المبدأ رقم 13: “ضرورة التكامل والتنسيق في التخطيط التنموي لتحقيق حماية البيئة”، ومواجهة زيادة التلوث والحد من انبعاثات الكربون والتلوث الناجم عن الصناعة ومسببات التلوث. ونتجت عن هذه الإفاقة العالمية “اتفاقيات دولية” حول إغمار المحيطات، والتلوث الناجم عن السفن، وتجارة الأصناف المهددة بالانقراض. في عام 1981، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية (WCED)، والتي عُرفت فيما بعد باسم لجنة (Brundtland). وفي عام 1987، قامت اللجنة بنشر (Brundtland Report) تحت عنوان “مستقبلنا المشترك”، وبنت على ما تم إنجازه في مؤتمر ستوكهولم، وقدمت واحدًا من أهم تعريفات التنمية المستدامة: «التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرات الأجيال المستقبلية على تلبية احتياجاتهم». يقول بعض النقاد إن مفهوم التنمية المستدامة الوارد في تقرير لجنة (Brundtland) متفائل إلى حد كبير وغامض. انتقل العالم لاحقًا بشكل أكثر تحديدًا وتجسيدًا للتنمية المستدامة في مؤتمر ريو 1992 في ريو دي جانيرو، بالبرازيل، ما عُرف بقمة ريو للأرض (Rio Earth Summit). وكانت أهم نتائجه أن أصبح مفهوم التنمية المستدامة شأنًا عالميًا، وتمت دعوة كافة الدول إلى إعداد استراتيجيات وطنية للتنمية المستدامة. وتقرر إنشاء لجنة التنمية المستدامة (CSD)، وتنظيم الأنشطة تحت محاور بيئية وتنموية محددة (نوعية الحياة، الاستخدام الفعال للموارد الطبيعية، حماية المشاعات العالمية، إدارة المستوطنات البشرية، النمو الاقتصادي المستدام). كما تم الاتفاق على الممارسات السليمة لتحقيق التنمية المستدامة في كل أنحاء المعمورة. في عام 2015، أبرمت 194 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وثيقة “تحويل عالمنا” لأهداف التنمية المستدامة (SDGs)، والمعروفة أيضًا بالأهداف العالمية، لتكون دعوة للعمل على إنهاء الفقر، وحماية كوكب الأرض، وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030. ما يميز أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر أنها مترابطة ومتكاملة، وأن الإنجاز في جانب يؤثر على الجوانب الأخرى. ولهذا، من متطلبات التنمية “التوازن” بين مجالاتها الرئيسية، التي تتمثل في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. إن التزام الحكومات والشركات، وكذلك منظمات المجتمع المدني، بتسريع وتيرة العمل خاصة في المجتمعات الأكثر تهميشًا والأقل تلمسًا لعوائد التنمية، يبرز أهمية فكرة “التحول” لإحداث فارق شامل في الأداء التنموي ومواجهة التحديات التي تستجلب الكثير من التداعيات على الحاضر وأجيال المستقبل، سواء كانت قضايا الفقر المدقع أو الجوع أو التمييز، وغيرها من أوجه المعاناة التي تجتاح واقعنا. وعلى هذا، يتوجب العمل، والابتكار، والإشعاع المعرفي، وتوظيف التقنية، وتوجيه المخصصات اللازمة لدعم جهود مواءمة أهداف التنمية المستدامة واستثمار فرصتها.

Scroll to Top