مقالات

تقدم DAL من خلال مقالاتها محتوى معرفي متخصص يعكس التزامها بدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السودان والمنطقة. تسلط مقالاتنا الضوء على الابتكار، الجودة، والمسؤولية الاجتماعية، لتوفير رؤى معمقة تعزز من فهم التحديات والفرص، وتدعم تحقيق أهداف DAL في تحسين جودة الحياة وبناء مستقبل مستدام.

إدارة الأزمات بعيون الاستدامة

إدارة الأزمات بعيون الاستدامة

حين تضرب الأزماتُ المؤسسات، يتجلى جوهر القيادة، ويتمايز منطق الفعل عن ردود الفعل، فلم تعد إدارة الأزمات مجرد أداة إنقاذ وقتي، بل غدت ركيزة من ركائز الحوكمة الرشيدة، خصوصًا في مؤسساتنا المجتمعية ذات الصلة الوثيقة بحياة الناس واحتياجاتهم المتغيرة. في زمن تزداد فيه الهشاشة العالمية، من الجوائح إلى الكوارث الطبيعية إلى الأزمات المالية والسياسية، تظهر الحاجة إلى منهجية مستدامة في التعامل مع الأزمات، لا يكفي أن نتجاوز المحن؛ بل يجب أن نحولها إلى منح، كما يعبر عن ذلك أحد المفكري أي بتحويل الأزمات خيارات وأن نصنع من الانكسارات فرصًا لإعادة البناء بشكل أفضل، وأكثر عدالة، واستدامة. إن الأزمة في حقيقتها اختبار للمرونة المؤسسية حيث تشير تقارير معهد استمرارية الأعمال (BCI) إلى أن أكثر من 70% من المؤسسات باتت تعتمد على أدوات رقمية لإدارة الأزمات، مع تحول كبير نحو الحلول السحابية (SaaS) نظرًا لمرونتها وسرعتها في تفعيل خطط الطوارئ، خصوصًا في بيئات العمل الهجينة أو عن بُعد، خلال جائحة كوفيد-19، المؤسسات التعليمية التي ربطت استجابتها بخطط الاستدامة (مثل توفير حلول رقمية شاملة ومراعاة الفئات الهشة) كانت أكثر قدرة على الاستمرار والتكيف، لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالعنصر البشري لا يزال يمثل نقطة ضعف حرجة، كما أن تحديث البيانات وتكاملها عبر الفرق لا يزال تحديًا قائمًا. من منظور أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، لا تقتصر الأزمة على خطر آني، بل تمثل تحديًا يُعاد فيه النظر في البُنى والهياكل، وتتجدد فيه الأسئلة حول العدالة، والمساواة، والحوكمة، والشراكة، إن إدارة الأزمة الناجحة هي تلك التي تحترم كرامة الإنسان، وتصون الموارد، وتراعي السياق المحلي، وتبني على التعلّم لذلك يزداد يقيني أن التنمية المستدامة عدسة جديدة حيوية لإدارة الأزمات. هنا تبرز أهمية دمج إدارة الأزمات ضمن استراتيجيات التنمية المستدامة للمؤسسات، بحيث تكون كل أزمة فرصة للتقييم وإعادة التوجيه لا مجرد عبء طارئ، وأتساءل مع كثير من الزملاء من خبراء وباحثين هل تمتلك مؤسساتنا خرائط للمخاطر؟ وهل نُفعّل الأدوات الرقمية بالتوازي مع بناء قدرات بشرية مرنة؟ وهل تشتبك قياداتنا العليا مع الأزمات باعتبارها مداخل للإصلاح، لا مجرد تهديدات؟ الأزمات ستبقى، لكن ردود أفعالنا هي ما يحدد المسار. مؤسساتنا مطالبة اليوم لا فقط بردم الفجوات أو سدّ الثغرات، بل ببناء منظومات تتنبأ، وتحتوي، وتعيد البناء بما يتجاوز اللحظة الطارئة. ومن هنا، فإن الاستثمار في التدريب، وبناء القدرات، وتوثيق الدروس المستفادة، وتبني ممارسات الشفافية والمساءلة، كلها ليست ترفًا بل ضمانة لبقاء الدور التنموي حيًا وفاعلًا. إن الطريق من المحنة إلى المنحة ليس سريعًا، لكنه ممكن ولعل أولى خطواته أن ننظر إلى الأزمة لا كقيد، بل كمحرّك للتغيير العميق، وأن نُديرها بعين الاستدامة، لا بعقلية إدارة الخطر فقط!

الإيجابية المستدامة !

الإيجابية المستدامة !

قالت لي سيدة فاضلة أعتز بمكانتها ورقي تعبيرها؛ ” أراك تجيّر الأشياء لتربطها بالاستدامة”، قلت بالفعل لأني أفهم الاستدامة “قناعة وثقافة وممارسة” كما تعلمت ذلك من أساتذتي، إنها نظارتي التي أستكشف الأشياء من منظورها، ولأن هذه النظارة فيها طبقات “Layers” تتمثل في أهدافها وغاياتها ومقاصدها ومؤشراتها كذلك من بين طبقاتها سياقي الحضاري وثقافتي الاجتماعية لذلك أدّعي الوضوح في كثير مما أراه وأتعاطاه. من بين هذه المعاني فكرة “الإيجابية المستدامة” ففي كبد هذا الوجود المتلاطم، حيث تتداعى الأمواج وتتعاظم التحديات، يبرز مفهوم “الإيجابية” ليس كترف فكري أو مجرد شعور عابر، بل كقوة دافعة لإعادة تشكيل الواقع وهندسة المسار للحائرين أفراداً ومنظومات، إنها ليست دعوة إلى إنكار الحقائق أو التغاضي عن العثرات والمخاطر، لكنها إشراقة روح تشربت ألوان العزم والأمل، وتجسّدت فيها مرونة الإنسان وقدرته الفائقة على التكيف والنمو. ولعلنا هنا لا نتحدث عن إيجابية طارئة، أو تلك التي تتبدد مع أول ريح عاتية، بل عن إيجابية “مستدامة”. فكما نسعى جاهدين لتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية لضمان مستقبل مزدهر للأجيال القادمة، كذلك يجب أن تشرب روح الاستدامة في وعينا الجمعي والفردي تجاه “الإيجابية” فهي ليست مجرد ومضة لحظية، إنما نبع يتدفق تفاؤلاً ومرونة يغذيه الوعي والامتنان والتأمل. إن التحكم بقوة الإيجابية يعني أولاً وقبل كل شيء إدراك أن الإيجابية خيار لا قدر، وقرار يقضي بالتركيز على الحلول بدل لانغماس في المشاكل، وهي كذلك بحثٌ عن الفرص الكامنة في كل تحدٍ لا الانزلاق نحو هاوية اليأس، هذا التوجه الذهني يمثل جذور الاستدامة وبذورها الحقيقية، فكل فكرة إيجابية تُغرس في أرض الوعي الخصب تُثمر رُشداً في السلوكيات والعلاقات، وقدرة على الصمود في وجه الأعاصير والتحديات. إن الإيجابية المستدامة تتجسد في قدرتنا على تجديد طاقتنا الروحية والنفسية، فتمامًا كما تستنزف الموارد الطبيعية إذا لم يتم تدبيرها بحكمة، كذلك تستنزف طاقة الإنسان الإيجابية إذا لم يتغذى العقل بالاتزان، والقلب بالرضا والامتنان، والروح بالسلام والاطمئنان.. وكأننا نحدث نظاماً يصنع من بيئتنا الداخلية اتزاناً يُعيد “تدوير” الأفكار السلبية وتحويلها إلى دروس مستفادة، ويزرع بذور الأمل والتفاؤل كي نحصد إنتاجاً وإنجازاً بأقل المنغصات والمكدرات. إن انعكاس الإيجابية المستدامة لا يقتصر على الصعيد الفردي وحسب، بل يمتد ليشمل النسيج المجتمعي بأسره فالمجتمعات التي تُقدّر الإيجابية كمورد لا ينضب، وتُرسخ ثقافة التكامل والتآزر، هي مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر مرونة في التكيف مع المتغيرات، وأكثر إبداعًا في ابتكار الحلول المستدامة عند التحديات، لأنها تمكنت من احتضان الشعور الإيجابي وكذلك الفعل الإيجابي وبذلك تنامت طاقةً وثقةً حين تخلصت من الإفراط في التفكير أو سعت للتنفيس عن الغضب المكتوم أو التأثر بالمحبّطين، وهذا ما جعل أغلب من شارك في استطلاع للرأي نشرته مجلة النشرة النفسية ( ٢٧٥ ألف) شخص نسبوا نجاحهم إلى قوة الإيجابية فيهم. لذا، فليكن سعينا نحو إتقان مهارات” قوة الإيجابية” ليس مجرد مسعى فردي للراحة النفسية، بل مشروعًا وجوديًا ذا أبعاد مستدامة. مشروعًا يُعلِّمنا أن نكون قُوّى تغيير إيجابية، ليس فقط لأنفسنا، بل للمجتمع وللأجيال القادمة. أن نبني حصونًا من الأمل في وجه اليأس، وأن نغرس بذور التفاؤل في كل أرضٍ قاحلة، وأن نحقق بذلك إيجابية لا تنضب، بل تتجدد وتنمو، لتظل شذرات تُضيء دروبنا وتشعل جذوة الأمل لمستقبل أجمل.

Scroll to Top